
منذ اندلاع الحرب المدمرة في السودان قبل أكثر من عامين ونصف، يعيش الشعب السوداني فصولًا متلاحقة من المعاناة والخراب الشامل الذي طال كل مناحي الحياة، ولم يسلم منه أي قطاع. غير أن قطاع التعليم كان الأكثر تضررًا، إذ تحوّل إلى واحدة من أكثر صور المأساة تجليًا في الواقع السوداني الراهن. فبحسب تقديرات الأمم المتحدة، خرجت نحو 80٪ من الجامعات والمدارس ورياض الأطفال من الخدمة تمامًا، وبلغ عدد الأطفال خارج منظومة التعليم أكثر من 16 مليون طفل، وهو رقم مذهل في دلالته وكارثي في أثره على رأس المال البشري وعلى مستقبل السودان لعقود قادمة. فالأمم تبنى بالعلم، وإذا انهار التعليم انهارت الدولة من جذورها.
1. الأسر السودانية وعبء الإنقاذ الفردي
أمام انهيار المنظومة التعليمية في الداخل واستمرار الحرب، لجأت كثير من الأسر السودانية، خاصة تلك المقيمة في دول الخليج أو من ذوي الإمكانات المحدودة داخل السودان، إلى اجتراح حلول فردية لإنقاذ مستقبل أبنائها الدراسي. ففي غياب الدولة وانعدام الأمل في استقرار قريب، رأت هذه الأسر أن التعليم في الخارج هو المخرج الوحيد من هذا النفق المظلم، رغم ما يعنيه ذلك من تضحيات قاسية تصل في بعض الأحيان إلى تقليص الإنفاق المنزلي والغذائي والرعاية الصحية لبقية الأبناء. إنها تضحيات باهظة الثمن، لكنها تعبّر عن عمق أزمة الدولة السودانية التي فشلت بسبب هذه الحرب العبثية في اداء دورها الطبيعي في حماية حق مواطنيها في التعليم والحياة الكريمة، فاضطر المواطنون إلى أن يتحملوا عبء ما كان ينبغي أن تتكفله مؤسسات الدولة.
2. مصر كمحطة تعليمية: بين القرب الجغرافي وسوء الظن المتجدد
لم يكن اختيار مصر كمحطة تعليمية لأبناء السودان خيارًا اعتباطيًا. فالعلاقة التاريخية بين البلدين، وسهولة الوصول الجغرافي، والتكلفة النسبية المقبولة، إضافة إلى اللغة المشتركة، كلها عوامل دفعت الأسر السودانية إلى تفضيل مصر على غيرها من الوجهات. كما شعر كثير من السودانيين بأنهم – بحكم الجوار والروابط التاريخية – سيجدون في مصر بيئة مألوفة وأكثر أمانًا من غيرها. غير أن الواقع أثبت أن هذه الصورة الوردية لم تكن سوى وهمٍ كبيرٍ. فقد تراجعت جودة التعليم في الجامعات المصرية بصورة مقلقة، وصارت المؤسسات التعليمية هناك تُدار بعقلية الاستثمار التجاري لا الأكاديمي، خصوصًا في تعاملها مع الطلاب السودانيين الذين تحوّلوا إلى مشروع ربحي استثنائي. ومع ارتفاع الرسوم وتعدد الرسوم الإضافية والممارسات غير القانونية، غدت مصر من أكثر الدول استغلالًا لأزمة التعليم السودانية.
3. التعليم المصري كمشروع استثماري على حساب السودانيين
تفرض الجامعات المصرية رسوم قبول مرتفعة تصل – بحسب العديد من الشهادات – إلى 2500 دولار أمريكي، وهو مبلغ لا وجود له في أي من الدول الإفريقية أو الآسيوية التي تقدم تعليمًا نوعيًا مثل رواندا وأوغندا والهند والصين. ولم يتوقف الاستغلال عند هذا الحد، بل امتد إلى تأخير إجراءات الوصول إلى الجامعات، بحيث يصل الطالب متأخرًا عن بداية العام الدراسي فيتعرض لمتاعب أكاديمية طويلة الأمد.
أما ما يسمى بـ الفصول الصيفية التي تفتحها الجامعات كحلول مؤقتة، فقد تحولت إلى وسيلة ابتزاز مالي جديدة. إذ تُفرض رسوم باهظة على الطلاب الراغبين في اللحاق بالعام الدراسي، بينما يُجبر من يفشل في تحقيق المعدل المطلوب على إعادة السنة برسوم خيالية تصل إلى سبعة آلاف دولار، كما حدث في جامعة القاهرة خلال العام الدراسي 2024–2025.
بهذا المعنى، لم تعد الجامعات المصرية مؤسسات تعليمية بقدر ما أصبحت أسواقًا لتجارة الأزمة السودانية، تتعامل مع طلاب السودان كزبائن لا كمتعلمين، ومع معاناتهم كفرص للربح السريع.
4. غياب الدولة السودانية: صمت بحجم الكارثة
إن أكثر ما يثير الاستياء في هذه الأزمة هو الغياب الكامل لحكومات السودان، التي تمارس دورًا أشبه بالعدم. فمن أزمات الصحة والأوبئة إلى مأساة التعليم في الداخل والخارج، تغيب هذه الحكومات عن المشهد كليًا. كان بالإمكان أن تُجرى اتصالات مباشرة بالجانب المصري لتسوية قضية الطلاب السودانيين العالقين، أو أن تتحرك السفارة السودانية في القاهرة لتذليل العقبات، لكن ذلك لم يحدث. هذا الغياب الرسمي لا يعكس فقط ضعفًا في الكفاءة، بل انهيارًا في فكرة الدولة ذاتها. فحين يتخلى النظام الحاكم عن أبنائه في الخارج ويتركهم نهبًا للابتزاز والإهانة، يصبح الحديث عن “السيادة الوطنية” ضربًا من العبث.
5. مقارنة مؤلمة مع دول أخرى
في معظم دول العالم، يُعامل الطالب الأجنبي – بمجرد حصوله على قبول جامعي – معاملة تضمن له تيسير الدخول والإقامة بأسرع وأيسر الإجراءات. ففي ماليزيا مثلًا، لا يستغرق الحصول على تأشيرة الطالب أكثر من شهر واحد، وكذلك الحال في الهند والصين ورواندا وأوغندا وبريطانيا وكندا. أما في الحالة المصرية، فيُخضع الطالب السوداني لـ نظام الموافقات الأمنية الذي يتنافى كليًا مع الأعراف الدولية وحقوق الإنسان، بل ومع روح اتفاقية الحريات الأربع الموقعة بين السودان ومصر نفسها، والتي يفترض أن تكفل حرية التنقل والإقامة والعمل والتعليم. إن ما يتعرض له الطلاب السودانيون في مصر ليس مجرد تقصير إداري، بل انتهاك صريح لكرامة أمة كاملة، وإهانة لشعب كان دومًا شريكًا في التاريخ والنيل والمصير.
6. أزمة التفكير الجمعي السوداني
إلى جانب مسؤولية الدولة، هناك مسؤولية لا يمكن تجاهلها تتمثل في النمط الذهني المحافظ للسودانيين، الذي يميل إلى التكرار والتقليد والخوف من التجريب. فبدلًا من البحث عن بدائل تعليمية جديدة في دول تقدم خدمات أكاديمية نوعية وبأسعار معقولة، مثل الهند ورواندا وأوغندا والصين، ما يزال كثير من الأسر السودانية أسيرة للمسار التقليدي المصري وكأن لا بديل له. هذا النمط من التفكير جعل المجتمع السوداني يدور في حلقة مفرغة، غير قادر على الخروج من القوالب القديمة، وهو ما يضاعف من حجم الأزمة بدلًا من معالجتها.
7. مصر… من الأخوّة المزعومة إلى الإهانة العلنية
في ظل اتفاق الحريات الأربع والعلاقات التاريخية، كانت التوقعات أن تكون مصر سندًا للسودان في محنته، لا أن تتحول إلى خصم يستثمر في معاناته. ومع استمرار الاستفادة المصرية من موارد السودان المائية والمادية، فإن الطريقة التي يُعامل بها الطلاب السودانيون المقبولين للدراسة في جامعات القاهرة والإسكندرية والمنصورة تمثل إهانة رسمية موصوفة. لقد تفككت دعاوى “القرابة والأخوّة” التي يرفعها الإعلام المصري حينما احتاج السودان إلى دعم حقيقي. إذ لا يعقل أن يُعامل طلاب بلد جار، مزّقته الحرب، بهذه القسوة والابتزاز وكأنهم أعداء. إنها هزيمة أخلاقية وسياسية لمصر قبل أن تكون مأساة للسودانيين.
8. الخاتمة: نداء للوطن
إن أزمة الطلاب السودانيين في مصر ليست مجرد قضية تعليمية، بل هي مرآة لانهيار الدولة السودانية في الداخل والخارج، وتعبير مؤلم عن مدى ما وصل إليه حال الأمة من ضعف وتشتت.لقد أُهين الطالب السوداني لأنه لم يجد دولة تحميه، وتُرك في العراء لأن وطنه يترنح بين حرب عبثية وسلطة غائبة.
وفي الختام، لا نملك إلا أن ندعو كما دعا المخلصون من قبل:
اللهم أغث هذه الأمة، واجعل لحربها نهاية قريبة، وردّ للسودانيين دولتهم وكرامتهم، وامنح أبناءهم مستقبلًا لا تلوثه المهانة ولا تسكنه الخيبة.




