رأي

القرآن بين الثبات والتجدد: قراءة في فكر شحرور وأبو زيد

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

الحقيقة الدامغة التي لا يختلف عليها اثنان هي أن القرآن الكريم صالح لكل زمان ومكان، وأنه نزل هدىً للناس كافة، دون أن يُحبس في حدود زمن أو بيئة معينة. هذه العالمية لا تعني الجمود، بل العكس تمامًا، فهي تفتح الباب واسعًا أمام الاجتهاد والتفكر، وتُحمل الإنسان مسؤولية الفهم المستمر والمتجدد للنص الإلهي بما يتناسب مع تطوره المعرفي والحضاري.

من هذا المنطلق، يبرز فكر المفكر الراحل محمد شحرور الذي أعاد طرح العلاقة بين النص والواقع من زاوية عقلانية جديدة. يرى شحرور أن القرآن ليس مفصلاً أو مفسرًا بالمعنى التقليدي، وإنما هو نص “مفصل” أي منظم إلى وحدات مترابطة، و”مفسر” بمعنى متدرج، أي أن دلالاته تتطور بتطور الإنسان ومعرفته.

ويرى أن على كل فرد أن يكون مفسرًا لنفسه، لأن النص القرآني خُوطب به البشر جميعًا لا طبقة محددة من العلماء، مما يجعل عملية التفسير عملاً إنسانيًا مفتوحًا ومتجددًا.

أحد أهم مفاتيح القراءة عند شحرور هو تجميع الآيات ذات الموضوع الواحد ووضعها في سياق شامل لفهم المقاصد الكلية، لا الوقوف عند الجزئيات أو أسباب النزول وحدها. فهو ينطلق من أن القرآن رسالة مستمرة ترافق تطور الإنسان، ومن ثم فإن لكل عصر تفسيره الذي يعكس مستوى وعيه ومعارفه.

وفي هذا يلتقي شحرور مع المفكر نصر حامد أبو زيد الذي قدّم رؤية مغايرة لكن متقاربة في الجوهر. فـ”القرآن مبين” عند أبو زيد لا يعني أنه واضح بذاته فقط، بل أنه قابل لأن يُفهم ويُبيَّن من جديد في كل عصر. يرى أن القرآن ليس كتابًا جامدًا، بل نتاج حوار مستمر بين الإلهي والإنساني، بين الوحي والاستجابة البشرية.

ومن هنا فرّق أبو زيد بين الدين كنصوص مقدسة ثابتة، والفكر الديني كمنتج بشري متغير خاضع للسياق التاريخي والاجتماعي. فكل فهم ديني هو اجتهاد إنساني وليس بالضرورة تعبيرًا مطلقًا عن إرادة الله، ولهذا فإن التأويل المتجدد للنصوص هو ضرورة لا ترفًا فكريًا.

إن إحياء فضيلة التفكير وإعادة النظر في تفاسير الموروث لا يعني الانتقاص من قدسية النص، بل هو تأكيد على حيويته وخلوده. القرآن لم يُنزّل ليُجمّد في مدونات التفسير، بل ليُحرك العقول ويدعو إلى التفكر:

“أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا”.

لقد آن الأوان أن نتحرر من التفسير الموروث الذي صار في كثير من الأحيان نقلاً بلا عقل، وأن نعود إلى جوهر الرسالة الإلهية التي تخاطب الإنسان كعقل وفكر وضمير. فصلاح القرآن لكل زمان لا يتحقق إلا بتجديد فهمه في كل زمان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!