رأي

مصر في المخيلة السودانية… عداوٌّة سافرة وظلمٌ تاريخي

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

“من لا يتعلّم من التاريخ يظل عبداً في حاضره.”

لم تكن زيارة الفريق عبد الفتاح البرهان إلى القاهرة حدثًا بروتوكولياً عابرًا كما يصوّر الإعلام المصري، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الاستدعاءات التي تكشف عن حقيقة العلاقة بين القاهرة والخرطوم؛ علاقةٌ تحكمها الهيمنة من طرف، والخضوع من الطرف الآخر.

فما جرى في قصر الاتحادية ليس لقاءً بين دولتين، بل استدعاءٌ من العاصمة المتسلطة لظلّها في الخرطوم. ومنذ انقلاب أكتوبر 2021 مرورًا بإشعال حرب أبريل 2023، ظل البرهان يكرّر الدور التاريخي ذاته الذي مارسه أسلافه من قادة جيش ونجت باشا؛ ذلك الجيش الذي لم يُنشأ لحماية السودان، بل لحراسة مصالح المستعمرين وتمكين نفوذهم عبر أدوات محلية.

تتحدث القاهرة في بياناتها الرسمية عن “وحدة السودان” و”سلامة أراضيه”، لكنها في الواقع تحتل حلايب وشلاتين وأبورماد، وتدعم كل ما يُبقي السودان تابعًا ومرتهنًا لإرادتها. فمنذ عهد السادات إلى السيسي، ظلّ نهج مصر ثابتًا: إبقاء السودان ضعيفًا، ممزقًا، ومحتاجًا.

إنها سياسة قائمة على ترويض الخرطوم لا التعاون معها، وعلى الوصاية لا الشراكة.

القاهرة لا ترى في السودان دولة مستقلة ذات إرادة، بل تعتبره امتدادًا جغرافيًا لنفوذها ومخزونًا بشريًا واقتصاديًا لمشاريعها. وما يثبت ذلك أن كل زيارة لقادة الخرطوم إلى القاهرة تنتهي بإملاءات جديدة لا بقرارات متكافئة.

الاستدعاء الأخير كان مخصصًا لمناقشة ملف سد النهضة، الملف الذي تحاول مصر أن تربط به السودان ربطًا مصيريًا، لتُفرغ موقفه من مضمونه الوطني وتحوّله إلى صدى لمخاوف القاهرة.

ورغم أن السودان هو المستفيد الأكبر من السد في مجالات الطاقة والزراعة وتنظيم الفيضانات، تصرّ مصر على تصوير الموقف الإثيوبي كخطرٍ مشترك، لتضمن استمرار السودان في خدمتها السياسية.

تاريخ العلاقة بين البلدين يؤكد أن مصر لم تنظر إلى السودان يومًا كندٍّ أو شريك، بل كأرضٍ مضمونة الولاء، تديرها عبر رجالٍ من جيش ونجت باشا الذين توارثوا عقلية التبعية والانقياد.

ولذلك فإن الخطر الحقيقي ليس في القاهرة وحدها، بل في تلك العقول التي لا تزال ترى خلاصها في الرضا المصري، وتخشى أن تقف يومًا موقف الندية والاستقلال.

إن مصر في المخيلة السودانية ليست جارة عادية، بل رمزٌ للعداء السافر والظلم التاريخي المتواصل — من اغتصاب الأرض، إلى سرقة القرار، إلى إعادة إنتاج الوصاية باسم الأخوّة الزائفة.

ولن يستقيم وعي السودان الجديد إلا إذا كسر هذا القيد الذهني والسياسي معًا، واستعاد قراره من أنياب الجار المتغوّل الذي لا يعرف سوى لغة الأمر والطاعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!