
بقلم: أبو عبد الله الراشدي
سؤال ظل يطرق ذهني بإلحاح، لا يهدأ له بال ولا ينام له جواب: لماذا هذا الإصرار العجيب على وحدةٍ لم تجنِ منها شعوب الهامش سوى الدمار والموت؟
ما الذي يجعلنا نتمسك بوطنٍ لا يمنحنا إلا القبور؟
وما جدوى وحدةٍ يدفع فيها أبناء الأقاليم المهمشة دماءهم، بينما تجني النخب في الخرطوم ثمارها سلطاتٍ وثرواتٍ ومناصب؟
لقد آن الأوان أن نعيد طرح الأسئلة المؤجلة منذ فجر ما سُمّي بالاستقلال.
هل الوحدة التي قامت على الإقصاء والظلم والتهميش ما تزال تستحق أن تُسمّى وطنًا؟
أليس الانفصال، إن كان ثمنه الاستقرار والتنمية والسيادة، أرحم من البقاء في وطنٍ يقتات على معاناة الهامش؟
لقد دفعت شعوب غرب النيل ودارفور وكردفان وجبال النوبة ثمناً باهظاً منذ عقود.
دفعت أبناءها في محارق الحروب التي أشعلتها النخب المركزية دفاعاً عن سلطتها لا عن الوطن.
دفعت مواردها الزراعية والمعدنية والبشرية لتغذية خزائن الأوليغارشية المرتبطة بمصر، تلك النخب التي لم تعرف يوماً معنى الوطنية، ولم تؤمن بمفهوم العدالة أو المساواة، بل جعلت من الدولة أداةً للهيمنة، ومن الجيش سوطاً على ظهور الفقراء.
كلما نظرتُ إلى خريطة السودان السياسية والاقتصادية، ازددت يقيناً بأن هذا الوطن في صيغته الحالية ليس إلا مشروعاً استعمارياً داخلياً، تُديره نخب مرتبطة بالخارج، وتستمد شرعيتها من وصاية القاهرة، لا من إرادة الشعوب.
فأي وحدةٍ هذه التي تُبنى على الذلّ؟
وأي وطنٍ هذا الذي لا يتّسع إلا للظالمين؟
لقد آن الأوان لشعوب الهامش أن ترفع رأسها، وتفكّر خارج المألوف، وتؤمن أن خلاصها لن يأتي من الخرطوم ولا من نخب المركز، بل من داخلها، من وعيها وإرادتها وقدرتها على إعادة صياغة مصيرها بيديها.
لقد حان وقت التفكير الجريء في تأسيس دولة جديدة، تعبّر عن تطلعات هذه الشعوب وأشواقها للعدالة والتنمية والسلام، دولة تنفتح على الفضاء الإفريقي وتستمد منه قوتها وموقعها الاستراتيجي، دولة تُعيد تعريف معنى السيادة لا بالحدود الجغرافية، بل بالكرامة الإنسانية.
لماذا لا ينفصل السودان من غرب البحر ليؤسس وطناً جديداً، حراً، متنوعاً، إنسانياً؟
وطناً لا تُهمّش فيه الشعوب ولا تُقاس فيه الوطنية بالانتماء للقبيلة أو المدينة أو الطائفة.
وطناً يؤمن بأن الإنسان أهم من التراب، وأن التنمية أصدق من الشعارات، وأن العدل أصل كل استقرار.
إن تحالف السودان التأسيسي، إن أراد حقاً أن يكون مشروعاً للتغيير، فعليه أن يمضي في هذا الاتجاه بشجاعة ووضوح.
يجب أن يُعيد تعريف فكرة الوطن لا بوصفها جغرافيا مرسومة، بل عقداً أخلاقياً بين المكونات التي تريد العيش المشترك بكرامة.
لقد سئمت الشعوب المهمشة الحرب، وآن لها أن تبحث عن الخلاص لا الانتقام، عن السلام لا الخضوع، وعن الدولة التي تحميهم لا الدولة التي تقتلهم.
إن الغرب السوداني – دارفور وكردفان وما حولهما – يمتلك كل مقومات النهوض:
الأرض الخصبة، الموارد الوفيرة، الإنسان القوي، والروح التي لم تنكسر رغم قرون التهميش.
وكل ما يحتاجه الآن هو مشروع وطني جريء، يؤمن بأن الحرية ممكنة، وأن التنمية ليست حلماً بل استحقاقاً.
مشروع يُعيد بناء المدن الحديثة، ويؤسس لجيش جديد يحمي الإنسان لا النظام، وينهض بمؤسسات تعزز خطاب التعايش السلمي، وتضع نهاية للحرب بوصفها قدراً مكتوباً على هذه الشعوب.
لسنا دعاة انفصال من أجل الانفصال، بل من أجل الحياة.
لسنا ناقمين على الوطن، بل على من اختطفوه وجعلوه مقبرة لأبنائه.
لسنا دعاة هدم، بل مؤمنين بأن البناء الحقيقي لا يبدأ إلا بعد أن نُزيل الركام الذي تركته عقود من الظلم والنهب والإقصاء.
إن التاريخ لا يرحم من يختار الصمت في لحظة الحقيقة.
ولحظة الحقيقة قد حانت:
فإما أن نبقى أسرى لوطنٍ لا يعترف بنا،
أو نؤسس وطناً يعترف بإنسانيتنا وحقنا في الوجود.




