رأي

نساء الحرب… بين التضحية والإقصاء

إخلاص قرنق

 

 إخلاص قرنق

في كل أركان السودان، حين دقت طبول الحرب، كانت المرأة حاضرة — بلا سلاح، لكنها حاملة الوطن بأكمله. في الخنادق لم تُزرع البنادق فقط، بل قلوب الأمهات اللواتي أرسلن أبناءهن للجبهات. في المعسكرات والمستشفيات، كانت أياديهنّ تعالج جراح المقاتلين وتضمّد ألم النازحين، وفي المطبخ تصنعن الخبز للآخرين، بينما يختبئ أملها تحت رماد الخوف والجوع.

لكن حين جاء الحديث عن “التضحيات”، اختفت صورتهن. تحدث الرجال عن النصر والانتصارات، وتناسوا النساء اللاتي حملن الحرب على أكتافهن بصمت، النساء اللاتي صبرن على الألم والجوع والفقد، واللواتي حافظن على الأمل في قلوب أرهقها الانتظار.

اليوم، وفي ما يُسمّى “مرحلة التأسيس”، يبدو أن الذهنية القديمة لم تختفِ، بل عادت لتجلس على الطاولة. حكومة تشكّلها خمسة عشر رجلاً وامرأة واحدة فقط، تم اختيارها من باب المنّ لا الاستحقاق، وكأن وجود المرأة مجرد ديكور سياسي لإرضاء المجتمع الدولي. أي تأسيس هذا الذي يبدأ بإلغاء نصف المجتمع؟ وأي عدالة يمكن أن تُبنى على هذا الإقصاء المتعمد؟

لقد نصّ مؤتمر التأسيس على تخصيص 40% من المقاعد للنساء، لكن القوانين تُنسى حين تتعلق بالمرأة، وتُطبّق حين تخص الرجال. المشاركة الرمزية للنساء اليوم ليست سوى هدية سياسية، لا حقًّا مكتسبًا، وتُقدّم كإشارة لمجتمع دولي صامت، لا كاعتراف بدور المرأة الذي لا يُقدّر بثمن.

ما يحدث اليوم ليس خطأ سياسيًا فحسب، بل خيانة فكرية وأخلاقية لكل قيم العدالة والمساواة التي نادت بها الحرب. كيف يُعقل أن تُستبعد المرأة التي صمدت في وجه الرصاص، وواجهت النزوح والجوع، من صياغة السلام وبناء الدولة؟

يا حكومة التأسيس، تعلموا أن النساء شريكات في الدم، وشريكات في القرار أيضًا. المرأة التي حافظت على حياة أسرتها وسط الحرب، قادرة على إدارة وطن، على تأسيس دولة. أما أن يُكافأ الرجال وحدهم على حربٍ لم ينتصر فيها أحد، فهذا ليس تأسيسًا، بل إعادة تدوير للظلم القديم بوجهٍ جديد.

صوت النساء ليس هامشًا في دفتر التاريخ، بل الصفحة التي لم تُكتب بعد — وسنكتبها نحن.

إخلاص قرنق

منبر صوت المرأة – جوبا، جنوب السودان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!