رأي

بناء البشر قبل الحجر: درس سور الصين للمسؤولين في السودان

إخلاص قرنق

 

إخلاص قرنق

حين نقلب صفحات التاريخ، ندرك أن الأمم العظيمة لم تُبنَ على صخورٍ وجدرانٍ وأسوار، بل على ضمائر رجالها، وعلى عقول نُمّيت، وقلوب غُذّيت بالقيم، ووعيٍ تشكّل بالمعرفة والمسؤولية

ولعلّ من أبلغ دروس التاريخ وأكثرها رمزيةً، قصة سور الصين العظيم، ذلك السور الذي امتد لآلاف الكيلومترات، وبُني بجهود جبارة، وكان يُفترض أن يكون حاجزًا منيعًا يحمي الدولة من الغزو والاختراق.

لكن المفارقة المؤلمة أن الصين خلال أول مئة عام بعد بناء السور، تعرّضت لثلاث حملات عسكرية ناجحة. لم يحتج العدو لتدمير السور أو تجاوزه، بل اكتفى برشوة الحارس.

فبُني الحجر… وسُقط البشر.

لقد ظنّ الصينيون أن الخطر يأتي من الخارج، فبنوا جدارًا. لكنهم نسوا أن العدو الحقيقي كان في الداخل: في الضمير الضعيف، في العقل الجاهل، وفي الأخلاق التي لم تُحصَّن.

وهذا الدرس التاريخي يتكرر اليوم في السودان. بلادنا، التي أنهكتها الحروب، وتنازعتها الأطماع، وتداولتها نخب سياسية وعسكرية، عانت طويلًا من غياب مشروع وطني يجعل الإنسان أولًا.

كل من تقلّد السلطة، ظنّ أن الحل في القوة، أو المال، أو السيطرة. لكنّ القليل فقط من أدرك أن بناء الإنسان هو أصل كل بناء.

لدينا الموارد. لدينا شبابٌ نابغ. لدينا أرضٌ غنية… لكن، ماذا عن العقل السوداني؟

ماذا عن الضمير؟

ماذا عن القيم التي نغرسها في النفوس؟

وما جدوى بناء الجيوش، والمقرات، والأسوار، إذا كانت العقول التي تحرسها لا تدرك معنى الأمانة؟

من أخطر ما يمكن أن تفعله أي سلطة، في أي زمان، أن تُهمل الإنسان.

أن تظن أن السيطرة تكفي، وأن الولاء الشخصي يغني عن بناء المؤسسات، وأن الخوف يُغني عن الاحترام.

وهذا ما حدث مرارًا في السودان.

حُكمَ الناس بالشعارات لا بالبرامج.

أُديرت الدولة بمنطق القوة لا بمنهج التربية.

وغاب عن كثير من المسؤولين أن المسؤولية لا تُفرض… بل تُغرس.

كيف نطلب من شاب أن يحمي وطنًا وهو لم يتعلم معنى الوطنية؟

كيف نُطالب المواطن بالصدق في بيئة يكافأ فيها الكذب؟

كيف نُنتج قادة ونحن لم نزرع فيهم القيم منذ الصغر؟

نحن اليوم في لحظة مفصلية من تاريخ السودان، لحظة لا يجدي فيها التلميع الإعلامي، ولا المناورات السياسية، ولا استعراضات القوة.

ما نحتاجه هو مشروع وطني لبناء الإنسان السوداني — الإنسان الذي لا يُشترى، لا يخون، لا يستبدل ضميره بالمصلحة، ولا يرى الوطن كغنيمة، بل كأمانة.

إن بناء الإنسان لا يتم بالخطب، بل بالتعليم الجاد الذي يفتح العقول، وبالقدوة الصالحة التي تُلهِم، وبالعدالة التي تُنصف، وبالقيم التي تُربّي.

فحين نُصلح الإنسان، تُصلَح الدولة.

وحين نُهمل الإنسان، تسقط كل الأسوار، مهما كانت من حديدٍ أو حجر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!