
نجم الدين دريسة
في خضمّ فوضى الحرب التي تعصف بالسودان، تتكشف ملامح حربٍ أخرى أكثر عمقًا وخطورة: حرب ضد الوعي وضد إرادة الشعوب المهمّشة. فالقنابل التي تُلقى اليوم على قرى كردفان ودارفور ليست فقط أدوات قتل، بل رسائل تهدف إلى كسر روح التمرد الشعبي على سلطة المركز القديمة.
في ظرف شهر واحد فقط، اغتيل ثلاثة من رموز الإدارة الأهلية البارزين: الأمير عبدالقادر منعم منصور، الناظر سليمان جابر سهل، والشرتاية آدم صبي. وجميعهم قُتلوا بطائرات مسيرة في وضح النهار. لم يكونوا جزءًا من المعارك، بل كانوا رموزًا اجتماعيةً تنادي بالسلام وترفض الانخراط في الحرب، وأعلنوا بوضوح “لا للحرب”.
هذه ليست صدفة، بل سياسة متعمدة تسعى من خلالها سلطات بورتسودان والجيش المختطف إلى إسكات كل صوت عقلاني مستقل، خصوصًا أولئك الذين يملكون تأثيرًا عميقًا في مجتمعات الهامش.
لقد أدركت السلطة المركزية أن قوات الدعم السريع تحظى بتأييد شعبي واسع في مناطق الهامش لأنها وُلدت من رحم المعاناة، وتستمد مشروعيتها من وجدان تلك الشعوب التي رأت فيها قوة تحرر وطني وقفت في وجه دولة ظالمة مارست ضدها التهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي لعقود.
ومنذ اندلاع الحرب، لم تتوقف استخبارات الجيش عن محاولات اختراق النسيج الأهلي بزرع الفتن واستقطاب القيادات عبر ما يسمى “تنسيقيات القبائل”، لكنها فشلت، لأن شعوب الهامش باتت أكثر وعيًا بخطابها التحرري، وأكثر تمسكًا بقضيتها في تأسيس دولة سودانية جديدة عادلة.
إن استهداف الزعماء والأعيان ليس سوى وجه آخر لمعركة المركز ضد الأطراف. فحين يعجز النظام عن مواجهة الوعي بالسلاح الفكري، يلجأ إلى القصف والطيران، ظنًا منه أنه بقتل الرموز يمكنه إخماد الفكرة.
لكن ما لا يدركه هؤلاء أن الأفكار لا تُقصف، وأن دماء النظار والأمراء الذين اغتيلوا ستتحول إلى شعلة جديدة في طريق بناء سودان المواطنة والعدالة.
الهامش لم يعد صامتًا…
والطائرات التي تقتل اليوم الوعي، ستسقط غدًا في مواجهة الحقيقة التي لا تموت.




