دماء ودموع على خدود مدينة المزروب؛ الى جنات الخلد أمير قبيلة المجانين (!)
دكتورة فاطمة الزين الغالي

د. فاطمة الزين الغالي – كاليفورنيا
في مساءٍ حزينٍ من أمسيات الوطن الجريح، سُفكت دماءٌ زكية على تخوم منطقة المزروب في شمال كردفان، دماء رجالٍ شجعانٍ من قادة وأبناء قبيلة المجانين، الذين كان ذنبهم الوحيد أنهم آثروا الحياد والعقل على الانخراط في جنون الحرب الدائرة منذ ثلاث سنوات. المجزرة التي شهدتها المزروب ليست مجرد حادثة عابرة في سجل العنف السوداني، بل هي جريمة وطنية تمسّ كرامة كل سوداني حرّ، لأنها استهدفت نسيج الأمة كلها، لم تعرف قبيلة المجانين سوى الكرامة والعلم والاعتدال.
كما ان قبيلة المجانين ليست هامشًا في الجغرافيا ولا هامشًا في التاريخ. إنها أحد الأعمدة الراسخة في الوجدان السوداني، ورافدٌ أصيلٌ من روافد الوطنية والعطاء. من بين أبنائها خرج العلماء الذين أناروا دروب التعليم، والقضاة الذين حكموا بالعدل، والزعماء الذين شاركوا في بناء السودان منذ فجر الاستقلال. وفي صفوفها رجالٌ ساهموا في نشر الدعوة، وإصلاح ذات البين، والمشاركة في الحياة العامة بإخلاصٍ ونزاهةٍ ندر مثلهما. إنّ استهداف هذه القبيلة لا يمكن قراءته إلا في سياقٍ من الانتقام الرخيص ومحاولة جرّها إلى مستنقع الحرب الذي نأت بنفسها عنه بوعيٍ ومسؤولية. لقد رفضت قبيلة المجانين أن تكون وقودًا لصراعٍ لا يخدم الوطن ولا الإنسان، فكان العقاب دمًا ودمارًا.
ان الدماء التي سالت على خدود مدينة المزروب انما تكشف الوجه الحقيقي لهذه الحرب اللعينة، حربٌ فقدت كل معنى شريف، وتحولت إلى آلةٍ للانتقام والدمار. ولقد أصبحت دماء الأبرياء وسيلة لتصفية الحسابات السياسية والقبلية، وأضحى القتل رسالةً لمن يختار الحياد أو يدعو للسلام. كما إنّ الذين أراقوا دماء قادة المجانين لا يدركون أنهم بهذا الفعل قد أطلقوا رصاصة جديدة في صدر الوطن، وأنّ كل نقطة دم سالت في المزروب هي طعنة في قلب السودان بأسره. وفي هذه اللحظة، لا مجال للحياد الأخلاقي، ولا مكان للصمت. ان السكوت عن هذه الجريمة هو تواطؤ مع القتلة، واللامبالاة تجاه دماء الشرفاء خيانة لروح الوطن. فالمجانين اليوم ليسوا وحدهم الضحايا، بل السودان كله يبكي معهم؛
يبكي علمه الذي أُهين، وتاريخه الذي يُغتال، ووحدته التي تُذبح على مذبح الجنون.
لقد أثبتت قبيلة المجانين، منذ اندلاع الحرب، أنّ الحكمة أقوى من الرصاص.واختارت طريق السلم، وأبت أن تكون أداة في يد أي طرفٍ يسعى لتدمير السودان باسم الدين أو الوطنية الزائفة. ورفضت الانجرار وراء دعوات “الاصطفاف العسكري”، لأنها أدركت أن الحرب لا تُبقي ولا تذر، وأنّ كل من حمل السلاح في وجه أخيه إنما يفتح باب الفناء المشترك.
لكنّ دماء أبنائها اليوم، وهي تُسفك ظلماً وعدوانًا، ليست دليل ضعف، بل شهادة على ثباتها على المبدأ. إنّ هذه الدماء الطاهرة قد تُسقط الأقنعة، وتعيد للعقلاء وطنيتهم الغافلة، وتذكّر الجميع أن السلام لا يصنعه السلاح بل الضمير.
إنّ مأساة المزروب يجب ألا تمر كخبرٍ عابر في ذاكرة الحرب. فهي صرخة نذير بأنّ السودان ينزف من خاصرته، وأنّ مشروع الدولة المدنية الديمقراطية لن يُبنى ما لم تتوقف هذه السلسلة الجهنمية من الثأر والعنف.فلقد جربنا الحرب لنحو ثلاث سنوات، فماذا حصدنا؟ خسرنا المدن، والقرى، والكرامة، وهُزِم وطننا ومواطنونا، ولم يهزم أحدٌ أحدًا سوى الموت الذي انتصر علينا جميعًا.
كما إنّ دماء قادة وأبناء المجانين التي سالت على خدود المزروب يجب أن تكون مهراً للسلام والخلاص، لا وقودًا لمزيد من الانتقام.
أيها السودانيون، كفى دموعًا ودماء.آن أن نصغي إلى صوت العقل قبل أن تبتلعنا هاوية الفناء. إنّ دماء المجانين في المزروب ليست نهاية فصلٍ في الحرب، بل دعوة مفتوحة إلى الضمير الوطني كي يستيقظ.
فلعلّ هذه الفاجعة تكون آخر محطات الجنون، وميلادًا جديدًا للعقل والحكمة، وبداية طريقٍ يعيد للسودان وجهه الإنساني المشرق. ولعلّ دماء أبناء المجانين تكون آخر الدماء في كتاب الموت، ومفتتح صفحة جديدة عنوانها: السلام، الأمان، والوطن الذي نحلم به جميعًا.



