
براءة حامد
النساء في بلادي دفعن أثمانًا غالية نتيجة ظروف اجتماعية واقتصادية وقاسية. ولم يعد من المقبول التعامل مع قضاياهن وفق معطيات قديمة أو نظرات انكفائية، بل آن الأوان لإعادة النظر في المفاهيم بما يتجاوز التفكير الإقصائي، ويأخذ بعين الاعتبار الواقع الاجتماعي والثقافي والاقتصادي لكل مجتمع.
لكن عندما وصلت هذه الفكرة إلى مجتمعات الجنوب، واجهت سؤالًا صعبًا: كيف يمكن الدفاع عن حقوق النساء دون تقليد النموذج الغربي الذي يربط العدالة بحرية الفرد فقط، بعيدًا عن واقعه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي؟
العدالة النسوية المجتمعية تقدم رؤية جديدة، تقوم على فهم المساواة من واقع النساء الحقيقي، وليس من أفكار جاهزة أو مستوردة. فهي تعيد تعريف العدالة باعتبارها علاقة إنسانية تربط الفرد بالمجتمع والبيئة، لا مجرد معركة بين الرجل والمرأة.
في التجربة الغربية، ارتكزت النسوية على فكرة الحرية الفردية الكاملة، فصارت العدالة تُقاس بتمكين المرأة من اختياراتها الشخصية، حتى لو كانت بعيدة عن ظروفها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. هذا الفهم، رغم نواياه الإيجابية، قد يولد أشكالًا جديدة من الظلم حين يتجاهل الفقر، والتمييز الطبقي، والعادات المتجذرة، والفوارق بين المدن والأرياف. فالعدالة لا تتحقق بتحرير امرأة واحدة فحسب، بل حين تتحرر البنية الاجتماعية كلها من اللامساواة التي تصنع التبعية الجماعية للنساء، خصوصًا في المناطق الهامشية والريفية والمتأثرة بالنزاعات والحروب.
في مجتمعاتنا، لا يمكن فصل قضايا النساء عن المشكلات الاقتصادية والسياسية والثقافية. لذلك، تركز العدالة النسوية المجتمعية على الحقوق الأساسية أولًا: الحق في الحياة، والأمان، والكرامة، قبل المطالبة بالمناصب أو التمثيل السياسي، رغم أهميتهما. كما تشجع على إشراك الرجال والمجتمع ككل في عملية التغيير، لأن العدالة مشروع جماعي لا يقوم على الصراع، بل على التفاهم والشراكة.
وتعتبر العدالة النسوية المجتمعية التعليم، والتمكين الاقتصادي، والقوانين العادلة أدوات لتحقيق العدالة وليست غايات بحد ذاتها. الهدف هو إعادة بناء المجتمع على أسس أخلاقية وإنسانية، بحيث تصبح العدالة جزءًا من الضمير الجمعي والثقافة العامة.
ومن أبرز التحديات التي واجهت النسوية في مجتمعاتنا، فكرة تعارضها مع الدين والثقافة. لكن هذه الصورة ليست دقيقة دائمًا، فهي غالبًا نتاج قراءات أيديولوجية ضيقة ترى الدين عدوًا للحرية. العدالة النسوية المجتمعية تعالج هذه المسألة بروح منفتحة، معتبرة الدين والثقافة مصادر للمعنى يمكن استثمارها لتعزيز القيم الأخلاقية والاجتماعية. فالتفسير العادل للقيم الدينية يمكن أن يكون قوة إيجابية تساعد النساء على التحرر الأخلاقي والاجتماعي دون الانفصال عن جذورهن الثقافية والدينية.
وفي جوهرها، ترى العدالة النسوية المجتمعية أن العلاقة بين المرأة والمجتمع هي علاقة تكاملية: تمكين المرأة يعزز المجتمع، والمجتمع العادل يضمن حقوق المرأة. وهكذا، تصبح العدالة النسوية ليست مجرد حقوق فردية، بل مشروعًا جماعيًا شاملًا لإعادة تشكيل القيم والهياكل الاجتماعية بما يضمن المساواة والكرامة لكل النساء في البلاد.




