رأي

🟩 السودان ومأزق التأسيس المؤجل: دولة يحكمها الوكلاء وتغيب عنها العدالة

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

ليست الحرب مأساة السودان، بل أعراضها. فالمرض الحقيقي هو أننا لم نؤسس بعدُ دولة بالمعنى الوطني والسياسي، بل ورثنا إدارة استعمارية بأقنعة محلية. ولهذا فإن الحديث عن السلام قبل إعادة تعريف مفهوم الدولة هو كمن يضع الضماد على جرحٍ لم يُنظَّف بعد. فمنذ أن شُيّد الكيان السوداني الحديث تحت الاحتلال البريطاني المصري، كانت بذرة الخلل حاضرة في أصل التكوين.

الجيش، الذي أُنشئ عام 1925م باسم قوة دفاع السودان، لم يكن مؤسسة وطنية تهدف لحماية الشعب أو الأرض، بل أداة لضمان أمن المستعمر ومصالحه. وبعد رحيله، لم يتحول الجيش إلى جيش وطني بالمعنى الحقيقي، بل استمر في أداء الدور ذاته — حماية السلطة من الشعب لا حماية الشعب من السلطة. لم يتغير سوى الشعار، أما العقيدة والممارسة فبقيتا محصورتين في دائرة الوصاية والطاعة العمياء.

الأحزاب السياسية بدورها لم تكن أوفر حظًا، وإن بدت في ظاهرها معارضة للاستعمار، إلا أن نشأتها كانت داخل السياج الذي رسمه. ارتبطت بطبقات اجتماعية وطائفية محددة ولم تُبنَ كحركات فكرية تسعى لترسيخ قيم المواطنة والعدالة. وعندما ورثت السلطة بعد الاستقلال، أدارت البلاد بذات ذهنية المستعمر: الإقصاء، المركزية، وتوزيع الولاءات، ففشلت في إنتاج مشروع وطني جامع.

أما الخدمة المدنية، فقصتها تختصر مأساة الدولة بأكملها. فقد تمت “سودنتها” بطريقة تُبقي الامتيازات بيد المجموعات التي تعاونت مع المستعمر، بينما جرى تهميش المجتمعات التي قاومته فعلاً. كان أبناء الهامش والمناطق الريفية بعيدين عن القيادة، وإن وُجدوا، فغالبًا بصورة رمزية لتجميل وجه السلطة لا لمشاركتها في القرار. وهكذا لم يكن الاستقلال انتقالًا من الوصاية إلى الحرية، بل توريثًا لعقلية السيطرة في ثوب وطني.

من هنا اندلعت كل الحروب والانتفاضات، من دارفور إلى جبال النوبة والشرق، وحتى المدن الكبرى في قلب البلاد. كانت كلها صرخات شعوب مهمشة تطالب بمكانها في وطنٍ يُدار كإقطاعية مغلقة. لكن النخب المركزية كانت دائمًا بارعة في امتصاص هذه الثورات بتحويلها إلى تسويات قصيرة الأجل، تُعيد إنتاج الأزمة وتمنحها عمرًا جديدًا. ولهذا فإن أي مبادرة تتحدث عن إيقاف الحرب دون إعادة بناء الدولة هي تسوية مؤقتة تُسكِت السلاح لكنها لا تُنهي أسبابه.

المطلوب اليوم ليس وقف إطلاق النار فحسب، بل مشروع تأسيس وطني جديد، يعيد تعريف السودان باعتباره عقدًا اجتماعيًا بين شعوب متساوية الحقوق والواجبات. مشروع يعترف بالتنوع لا كعقبة بل كقوة، ويضمن تمثيل كل الأقاليم في القرار السياسي، ويوزع الثروة على أساس الإنصاف لا الامتياز. لا يمكن بناء سلام دون عدالة انتقالية تُعيد الاعتبار لضحايا الحروب، ولا يمكن الحديث عن ديمقراطية بينما تُدار مؤسسات الدولة بعقلية الغلبة التاريخية.

لقد آن الأوان أن نُواجه أنفسنا بالحقيقة مهما كانت قاسية: السودان لم يفشل لأنه متنوع، بل لأنه لم يُبنَ ليستوعب تنوعه. الذين ورثوا الدولة من المستعمر حافظوا على بنيتها القديمة واستمرأوا امتيازاتها، بينما بقيت الشعوب الأصيلة في الظل، على هامش القرار والذاكرة معًا. إن إيقاف الحرب لا يعني السلام ما لم يولد السودان من جديد كدولة حقيقية للمواطنة والعدالة؛ دولة لا تحكمها ذاكرة المستعمر ولا عقدة الوكالة، بل إرادة الشعوب التي صبرت طويلًا، دولة تُؤسس على العدالة لا الغلبة، وعلى المساواة لا الامتياز، دولة لا يحكمها الوكلاء… بل ينهض بها الأصل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!