
نجم الدين دريسة
ما يميز تحالف السودان التأسيسي عن غيره من التحالفات السياسية في المشهد السوداني، أنه لم ينشأ كرد فعلٍ لحظة سياسية عابرة، ولم يُبنَ على تسويات فوقية بين النخب، بل جاء نتاج وعيٍ عميق بضرورة إعادة تأسيس الدولة السودانية على أسسٍ جديدة تُنهي إرث الفشل المتكرر منذ الاستقلال. إنه مشروع وطني جامع، يتجاوز فكرة التحالف السياسي التقليدي إلى رؤية فكرية تسعى لتصحيح مفهوم الدولة وبنائها على مبادئ العدالة والمواطنة والمساواة.
في وقتٍ تزدحم فيه الساحة السياسية بالشعارات والمواقف المتناقضة، برز تحالف السودان التأسيسي كصوتٍ يمتلك رؤية واضحة لا يكتنفها الغموض. فقد استطاع أن يُنتج وثائق وأطروحات نوعية خاطبت جذور الأزمة السودانية، لا أعراضها، ولامست جوهر المعضلة التي عطلت تطور الدولة لعقود طويلة. تجاوز التحالف سرديات الدولة المركزية الموروثة عن الاستعمار، وطرح بجرأة أسئلة التأسيس الحقيقي: من يحكم السودان؟ وكيف يُحكم؟ وعلى أي أسسٍ تُدار السلطة والثروة؟
أبرز ما يميز التحالف هو جرأته الفكرية في طرح قضية العلمانية بوضوحٍ غير مسبوق. فبينما ظلّت معظم القوى السياسية، بما فيها القوى الحداثوية واليسارية، تتجنب المصطلح وتستبدله بتعابير ملطفة كـ”الدولة المدنية” أو “حياد الدولة تجاه الدين”، أعلن التحالف موقفه الصريح بأن العلمانية ليست عداءً للدين، بل هي ضمانة لحرية المعتقد وعدالة الدولة تجاه مواطنيها كافة. بهذا الطرح أعاد التحالف الاعتبار لفكرة الدولة الحديثة، التي تُدار على أساس القانون والمواطنة لا على أساس الانتماء الديني أو الإثني.
كذلك قدّم التحالف رؤية متكاملة لقضايا الفيدرالية والوحدة الطوعية، باعتبارهما من الركائز الأساسية لبناء وطنٍ عادل ومتوازن. فوثيقته السياسية والدستورية تؤكد على أن السودان لا يمكن أن يستقر إلا إذا أُعيد توزيع السلطة والثروة بعدالة بين الأقاليم، وأن الوحدة الحقيقية لا تُفرض بالقوة بل تُبنى على الرضا الطوعي والإرادة الحرة. كما تميّز التحالف بتبنيه مبدأ المبادئ فوق الدستور، وهي فكرة رائدة في الفقه السياسي، تضمن ألا تتحول النصوص الدستورية إلى أدوات للهيمنة أو التمييز، بل تظل محكومة بقيمٍ عليا مثل الحرية، والكرامة، والمساواة، والعدالة الاجتماعية.
تحالف السودان التأسيسي هو تجربة فكرية تتجاوز في عمقها كل التحالفات التقليدية التي ظلت أسيرة الماضي وسرديات ما بعد الاستعمار. فهو تحالف الوعي لا الولاء، تحالف الرؤية لا الغنيمة. وبينما غرقت معظم الكيانات السياسية في صراعاتها حول السلطة، قدّم التحالف طرحاً يعيد للسياسة معناها الأخلاقي والفكري، بوصفها وسيلة لبناء الإنسان قبل الدولة.
إن السودان، في هذه اللحظة المفصلية من تاريخه، يحتاج إلى مشروع تأسيسي جديد، يفتح أفقاً مختلفاً للمستقبل، ويتحرر من أثقال الماضي وإخفاقاته. وبهذا المعنى، لا يمثل تحالف السودان التأسيسي مجرد كيان سياسي جديد، بل حالة وعيٍ وطنيٍ صاعد تُعيد تعريف معنى السودان نفسه: وطناً يتسع للجميع، ويُبنى على العدالة لا الامتياز، وعلى المواطنة لا الولاء، وعلى الإرادة الحرة لا القهر والإكراه.




