رأي

السودان بين لعنة التاريخ وفرص التحول.. الدلالات السياسية لخطاب الفريق حميدتي

 

علي سانتيتو

في مشهد سياسي بالغ التعقيد، جاء خطاب رئيس حكومة السودان الجديد، الفريق محمد حمدان دقلو، ليعيد رسم معادلة الصراع في السودان، لا باعتباره تصريحاً عسكرياً، لكن بوصفه بياناً سياسياً، يحمل ملامح إعادة تعريف للعدو الحقيقي، وتقديم رؤية جديدة لتوازن القوى في بلدٍ يواجه أكثر اللحظات هشاشة منذ الاستقلال.

ومنذ الدقائق الأولى للخطاب، اتّضح أن القائد حميدتي لم يكن بصدد استعراض ميداني أو تبرير لحرب طويلة الأمد، بل كان يُؤسّس لحجة سياسية وأخلاقية تستند إلى ضرورة فتح ملف الانتهاكات منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل. وقد بُنيت دعوته الصريحة إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية محوراً جوهرياً في الرسالة، ومحاولة جريئة لنقل الصراع من الميدان إلى منصة القانون الدولي، وإخضاع المتورطين في إشعال الحرب للمساءلة العادلة أمام المجتمع الدولي.
قد تبدو الدعوة في جوهرها، مناورة سياسية ذكية تضع الجيش والتيار الاسلاموي، أمام اختبار كبير، وتكشف عن الوعي بخطورة توظيف الدين في تبرير العنف السياسي.

الفريق حميدتي لم يكتفِ بالمطالبة بالتحقيق في جرائم الحرب والانتهاكات ضد المدنيين، فقد مضى أبعد حين اتهم كتائب الحركة الإسلاموية بالضلوع مباشرة في جرائم ضد الإنسانية، واعتبرها المسؤول الأول عن استهداف رموز الإدارة الأهلية وزعماء القبائل، وعن التخطيط لإبادة مجتمعاتٍ كاملة في دارفور وكردفان. هذا الاتهام لا يمكن فصله عن سياقٍ تاريخي طويل، ظلّت فيه الحركة الإسلاموية تحكم السودان عبر شبكات النفوذ والأمن والاقتصاد والفتنه، الشئ الذي جعل خطاب رئيس حكومة تأسيس يبدو أقرب إلى محاولة لفك الارتباط بين الدولة والدين، وإعادة تعريف الوطنية على أسس مدنية جديدة.

لكن الجزء الأكثر إثارة للجدل في الخطاب، فقد كان تحذيراً لأي طائرة تقلع للهجوم على مناطق سيطرة تأسيس ستكون هدفاً مشروعاً لقواتها. وفي هذا السابق تبرز اللغة بوصفها أداة ردع، ورسالة مزدوجة، الأولى داخلية مفادها أن الرد سيكون قاسياَ، والثانيه خارجية تؤكد للمجتمع الدولي أن الحرب لم تعد قابلة للاحتواء ضمن قواعد الاشتباك التقليدي. وعلى الرغم من أن التصريح قد يحمل خطر تأجيج التصعيد العسكري، الا انه يعكس أيضاً تحول الصراع من معركة سياسية إلى معركة وجود، حيث يسعى كل طرف إلى إثبات أنه الممثل الشرعي للدولة الجديدة التي لم تتشكل بعد.

وفي بعدً آخر أعمق، يمكن القول إن خطاب القائد حميدتي شكّل محاولة مهمة لاستعادة المبادرة السياسية بعد شهور من الاتهامات المتبادلة بين الجيش وقوات الدعم السريع. الخطاب استند على الرغبة في إظهار الصوره المثلى أمام المجتمع الدولي، في وقتٍ تتزايد فيه الدعوات لتحميل الأطراف المسؤولية عن انتهاكاتٍ جسيمة. لذلك، فإن الدعوه إلى لجنة تحقيق دولية ليست مجرد خطوة دفاعية، هي رسالة انفتاح محسوبة تسعى إلى نقل عبء الإثبات إلى الطرف الآخر!

إن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا، كيف يستطيع حميدتي أن يقنع العالم بأن الحرب على (الحركة الشيطانية) هي معركة تحرر وطني؟
المؤكد ان هذا الخطاب حمل نبرة عالية من التحدي السياسي والامني، لكنها كشفت عن وعي متنامٍ بضرورة إعادة هيكلة السودان على أسس جديدة، تجتث المشروع الإسلاموي الذي ربط الدولة بالهوية الأيديولوجية، وتفتح الباب أمام نظام مدني أكثر انفتاحاً ومساءلة.

يُمكن قراءة خطاب حميدتي بوصفه بياناً سياسياً مؤسساً لمشروع قوى (تأسيس)، التي تسعى إلى إعادة تعريف المشهد الوطني بعيداً عن الوصاية العسكرية والدينية. لكنه هذا الموقف يحتاج ان يُرفَق بمسار وطني يعيد الاعتبار للمدنيين ويؤسس لعدالة انتقالية شاملة. حيث لا يمكن تجاهل هذا الخطاب بما حمله من لغة صارمة وشحنة رمزية، ستكون أحد أهم النصوص السياسية في المشهد السوداني الحديث؛ هو يعكس تحول النزاع من صراع سياسي إلى معركة من يملك حق تمثيل السودانيين. غير أن هذا التحول لن يكتمل إلا حين يُترجم إلى رؤية سياسية شاملة تُنقذ الدولة من شبح التفكك والانهيار، وتجعل القانون والعدالة ركيزةً اساسية لبناء دولة جديدة في السودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!