
طارق سيد أحمد ….ود عطبرة
“ليس القائد من يُشعل الحرب لينتصر، بل من يُطفئها ليحيا الوطن.”
في زمنٍ يعلو فيه صوت السلاح على صوت الضمير، خرج القائد محمد حمدان دقلو (حميدتي) ليكسر القاعدة، متحدثًا بلسان الشعب لا بلسان البندقية. كان موقفه الأخير الرافض لدعوات ضرب مناطق الشمال ونهر النيل ردًا على قصف الجيش للمناطق المدنية، لحظة فاصلة في تاريخ الحرب السودانية، إذ جسّد المعنى الحقيقي للوطنية والقيادة الأخلاقية في آنٍ واحد.
لم تكن كلماته مجرد رد سياسي، بل إعلانًا لمبدأ أخلاقي عميق: أن السودان وطنٌ واحد لا تُقصف فيه مدينة لأنها من جهةٍ أخرى، ولا يُعاقب فيه الأبرياء باسم الردع. رفضُه للانتقام لم يكن ضعفًا، بل وعيًا نابعًا من إدراك أن الدم لا يطفئ النار، وأن الحفاظ على النسيج الاجتماعي هو أسمى من أي مكسبٍ عسكري مؤقت.
لقد قدم حميدتي درسًا نادرًا في فن القيادة، إذ فضّل أن يكون حارسًا للوطن لا حاكمًا على الخراب. فحين طالب البعض بالرد على القصف بالقصف، قال كلمته الواضحة: “هؤلاء أهلنا وشعوبنا.” كانت تلك العبارة البسيطة أقوى من ألف خطبةٍ سياسية، لأنها صدرت من قلبٍ يدرك أن الحرب لا تُربح بالرصاص وحده، بل تُربح بالضمير.
هذا الموقف الإنساني وضع الرجل في موقعٍ مختلف عن كثيرٍ من القادة الذين جرّوا بلدانهم إلى حروبٍ أهلية بدافع الغضب والانتقام. أما هو، فاختار أن يكون صدى للعقل والرحمة، مقدّمًا رؤية جديدة للقيادة في السودان؛ قيادة تتجاوز الجغرافيا والقبيلة لتتحدث باسم الشعب كله.
إن خطابه لم يكن دفاعًا عن موقفٍ عابر، بل تجسيدًا لمشروع وطني كبير يسعى إلى بناء دولة تُدار بالعقل لا بالعاطفة، وبالعدالة لا بالثأر. فالسودان الذي يحلم به القائد هو وطنٌ يتّسع للجميع، تُبنى فيه الشرعية على خدمة الناس لا على إقصائهم.
وفي زمنٍ تحوّلت فيه السياسة إلى سباقٍ في التحريض، والميدان إلى اختبارٍ للقسوة، أعاد حميدتي تعريف القوة بأنها القدرة على ضبط النفس لا إطلاق النار. هذا ما جعل خطابه يرتقي من مستوى التكتيك العسكري إلى مستوى الرؤية الأخلاقية التي تحتاجها البلاد في هذه اللحظة الحرجة.
لأن القائد الحقيقي ليس من يُرعب خصومه، بل من يُطمئن شعبه أن الوطن ما زال بخير.




