رأي

على طاولة واشنطن… اختبار الإرادة لا البنادق”

سمية النور دهب

 

سمية النور دهب

لم تعد الحرب في السودان مجرد نزاعٍ مسلح بين قوتين تتنازعان السلطة، بل تحولت إلى امتحان قاسٍ لإرادة وطن بأكمله. واليوم، حين تلتقي وفود الجيش والدعم السريع في واشنطن، يدرك الجميع أن ما يُناقش هناك يتجاوز مسألة وقف إطلاق النار، ليصل إلى جوهر الدولة نفسها: من يحكم؟ وكيف تُبنى؟ وعلى أي أسس؟

الرباعية الدولية — الولايات المتحدة والسعودية والإمارات وبريطانيا — أعادت فتح نافذة كانت توشك أن تُغلق. فالمفاوضات الجديدة تأتي بعد عامٍ ونصف من حربٍ خلّفت جراحًا عميقة في الجسد السوداني، ودمارًا هائلًا في المدن والأرواح والمستقبل. لكن رغم كل هذا الركام، ما زال هناك خيط رفيع من الأمل يربط بين الرغبة في البقاء والحلم بالسلام.

يبدو أن وفد الدعم السريع هذه المرة أكثر تنظيمًا ووضوحًا، يدخل المفاوضات وهو يمثل تحالف تأسيسي جديد يرفع شعار بناء الدولة على العدالة والمواطنة لا على الغلبة والسلاح. طرح الوفد رؤيته بشجاعة: لجنة تحقيق دولية مستقلة، محاسبة من أشعلوا الحرب، التحقيق في القصف والانتهاكات، وتسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية.

هي مطالب صريحة، لكنها تعبّر عن تحول نوعي في التفكير السياسي نحو المساءلة والشفافية.

أما وفد الجيش فيبدو أنه يحمل إرثًا ثقيلاً من التناقضات. فالخلافات بين أجنحته، وارتباط بعض عناصره بمشروع الإسلاميين القديم، جعلت موقفه السياسي مرتبكًا ومترددًا. مطالبته بالسرية في التفاوض لا تعكس حكمة بقدر ما تكشف خشية من مواجهة الرأي العام ومن الاعتراف بمسؤولية استمرار الحرب.

هذه الجولة في واشنطن ليست كغيرها. إنها اختبار للإرادة الوطنية قبل أن تكون اختبارًا للنيات الدولية.

فالسودان يقف على حافة مصيرٍ خطير: إما أن يخرج من رحم الحرب بولادة جديدة، أو يسقط في هوة الانقسام والتفكك النهائي.

لقد آن الأوان لأن يدرك الطرفان أن لا منتصر في حربٍ كهذه، وأن السلام ليس خيار الضعفاء بل شجاعة الأقوياء.

فواشنطن قد لا تصنع المعجزة، لكنها ربما تفتح الباب لصحوة الضمير، إذا وجدت من يملك الجرأة ليقول:

“كفى حربًا… فلنبنِ وطنًا.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!