رأي

الآثار التدميرية لحرب السودان على رأس المال البشري (الحلقة الثانية)

صالح السليمي

 

صالح السليمي

في الحلقة الأولى من هذا المقال، تناولنا مفهوم رأس المال البشري وطبيعة تكوينه التراكمي عبر التعليم، والصحة، والخبرة العملية، ودور البيئة الاجتماعية والسياسية في دعمه أو تدميره. وفي هذه الحلقة الثانية، ننتقل إلى تحليلٍ مباشرٍ لآثار الحرب السودانية الراهنة على هذا المورد الحيوي، من خلال ثلاثة محاور رئيسية هي: التعليم، والصحة، والمهارات الإنتاجية. هذه المحاور الثلاثة تمثل أعمدة تشكّل رأس المال البشري، وكل ضربة تصيب أحدها تُقوّض مستقبل السودان لعقود قادمة.

أولًا: انهيار منظومة التعليم – جرح في ذاكرة المستقبل

التعليم هو القلب النابض لرأس المال البشري، وأي خلل فيه يعني فقدان جيلٍ بأكمله. ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تعرّض قطاع التعليم في السودان لانهيار شامل. أكثر من عشرة آلاف مدرسة تضررت أو دُمّرت كليًا أو جزئيًا، وتحولت مئات المؤسسات التعليمية إلى ملاجئ للنازحين أو ثكنات عسكرية. ملايين الأطفال اليوم خارج أسوار التعليم، بعضهم فقد فرصة التعلم نهائيًا، والبعض الآخر يعيش في ظروف نزوح لا تسمح له بالعودة إلى المدرسة.

الجامعات كذلك لم تسلم من الدمار. أغلقت معظم مؤسسات التعليم العالي أبوابها، وتوقف البحث العلمي، وتشتت الأساتذة والطلاب بين النزوح الداخلي والهجرة. هذه الكارثة لا تقتصر على خسارة عامٍ دراسي أو اثنين، بل تعني في جوهرها انقطاع السلسلة المعرفية التي تشكّل القاعدة الفكرية والتنموية للدولة. فكل جامعة تُغلق، وكل معلمٍ يُهاجر أو يُقتل، يعني خصمًا من رصيد الوطن في المستقبل، وحرمانًا من عقولٍ كانت ستقود التنمية والإصلاح.

ثانيًا: تدهور الصحة العامة – الإنسان في مواجهة الفناء

الصحة تمثل البنية التحتية الحيوية للقدرة الإنتاجية. فالعامل المريض لا ينتج، والطبيب الغائب لا يعالج، والمجتمع الذي تنهكه الأوبئة لا يستطيع النهوض. الحرب دمّرت المستشفيات والمراكز الصحية، ونهبت مخازن الأدوية، وتسببت في انهيار منظومة الإمدادات الطبية. أكثر من 70% من المرافق الصحية خرجت عن الخدمة في بعض الولايات، فيما اضطر آلاف الكوادر الطبية إلى الهجرة القسرية بحثًا عن الأمان.

انعكس ذلك على مؤشرات الصحة العامة بصورة كارثية: تفشي سوء التغذية بين الأطفال، انتشار الأمراض المعدية، انهيار برامج التحصين، وارتفاع معدلات الوفيات بسبب انعدام الدواء والرعاية. المرأة السودانية، على وجه الخصوص، كانت الضحية الأكبر، حيث ارتفعت معدلات وفيات الأمهات بسبب الولادة في ظل غياب الخدمات الطبية الأساسية.

وفي ظل هذه الأوضاع، يتراجع رأس المال البشري ليس فقط عدديًا، بل نوعيًا أيضًا، إذ تتدهور جودة الحياة الصحية وتضعف قدرة الإنسان على التعلم والعمل والابتكار.

ثالثًا: ضياع المهارات الإنتاجية وهجرة الكفاءات – نزيف بلا توقف

من أبرز مظاهر تدمير رأس المال البشري في السودان ما يمكن تسميته بـ”النزيف الصامت”، وهو تسرب العقول والكفاءات من مختلف القطاعات. المهندسون، الأطباء، المعلمون، الخبراء الماليون، والمبدعون في شتى المجالات، غادروا البلاد قسرًا بحثًا عن الأمان والحد الأدنى من الاستقرار المهني.

هذه الهجرة لا تمثل خسارة آنية فحسب، بل ضياعًا للخبرة التراكمية التي استثمر فيها السودان عقودًا من الزمن والموارد. كما أن توقف المؤسسات الإنتاجية والمشروعات التنموية حرم أجيال الشباب من فرص التدريب العملي وصقل المهارات، مما أدى إلى اتساع الفجوة بين الأجيال من حيث الكفاءة والخبرة.

ترافق ذلك مع انهيار سوق العمل الرسمي وتفشي البطالة المقنّعة، حيث يعيش الملايين من الشباب دون فرص إنتاج حقيقية. هذه الحالة من الفراغ الاقتصادي تولد بدورها أزمات اجتماعية وأمنية، وتخلق بيئة خصبة لتجنيد الشباب في النزاعات المسلحة أو الأعمال غير القانونية، وهو ما يضاعف من تآكل رأس المال البشري الوطني.

رابعًا: التدمير النفسي والاجتماعي – الوجه الخفي للخسارة

من بين أخطر آثار الحرب على رأس المال البشري الجانب النفسي الذي لا يُقاس بالأرقام، لكنه يترك ندوبًا عميقة في الوعي الجمعي. ملايين الأطفال الذين شاهدوا العنف أو فقدوا أسرهم يعانون اليوم من اضطرابات ما بعد الصدمة، مما يؤثر على تحصيلهم العلمي وسلوكهم الاجتماعي لاحقًا. كما أن فقدان الثقة في الدولة، وانهيار الأمل في المستقبل، يولد جيلاً محبطًا يعيش بلا هدف، وهو ما يُعتبر في علم الاقتصاد خسارة طويلة الأمد في “رأس المال المعنوي” للأمة.

خاتمة الحلقة الثانية

ما يحدث في السودان اليوم ليس مجرد تراجع في مؤشرات التعليم والصحة، بل هو تآكل في جوهر القوة المنتجة للدولة. الحرب لم تُدمّر الحجر فقط، بل هشّمت الإنسان الذي هو الركيزة الأولى والأخيرة لأي مشروع تنموي. رأس المال البشري لا يُبنى في سنة ولا يُستعاد بسهولة، لذلك فإن استمرار الحرب يعني مزيدًا من الانحدار الذي قد يستغرق عقودًا لتجاوزه.

في الحلقة الثالثة والأخيرة، سنتناول كيف يمكن للسودان أن يعيد بناء رأس ماله البشري بعد الحرب، عبر سياسات متكاملة للتعليم والصحة والهجرة والعدالة الاجتماعية، وكيف يمكن تحويل المأساة إلى فرصة لإعادة التأسيس الوطني على أسس جديدة.

يتبع…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!