رأي

الدلالات الأمنية والعسكرية في خطاب رئيس المجلس الرئاسي الجنرال حميدتي

الخبير الامني والسكري د. مجدي شريف

 

الخبير الأمني والعسكري د. مجدي شريف

جاء خطاب رئيس المجلس الرئاسي الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) عقب معارك بارا والفاشر، في لحظة فارقة من مسار الحرب السودانية، اتسمت بتبدل الموازين الميدانية وتعقّد المشهدين السياسي والأمني. لم يكن الخطاب مجرد حديث سياسي أو إعلامي، بل حمل في طياته مضامين أمنية وعسكرية دقيقة، تعكس تحوّلًا في الرؤية الاستراتيجية لقيادة المجلس الرئاسي، وتؤشر إلى مرحلة جديدة في إدارة الصراع وبناء الدولة.

تجلت أولى هذه الدلالات في توجيه القائد العام لقواته بضرورة الالتزام الصارم بالقانون الدولي الإنساني في معاملة الأسرى والجرحى والمدنيين. هذا التوجيه، في سياقه الزمني والميداني، لا يمكن اعتباره مجاملة خطابية، بل هو مؤشر على انتقال الوعي العسكري نحو فهمٍ أوسع لمفهوم “القوة المنضبطة”، باعتبارها شرطًا رئيسيًا لاكتساب الشرعية السياسية والاعتراف الدولي. فالحروب الحديثة لا تُكسب بالنار وحدها، بل أيضًا بالقدرة على التحكم في القوة واستخدامها وفق قواعد القانون. بهذا المعنى، يرسل الخطاب إشارة قوية بأن قيادة المجلس الرئاسي تعي أهمية تحويل قوات الدعم السريع من قوة ميدانية إلى قوة نظامية خاضعة للرقابة والانضباط المؤسسي والقانوني.

أما الدلالة الثانية فتتمثل في إعلان تشكيل لجنتين – عسكرية ومدنية – للتحقيق في أي انتهاكات صاحبت دخول القوات إلى الفاشر. هذه الخطوة تنطوي على أبعاد أمنية وإدارية عميقة. فمن الناحية العملياتية، هي تأكيد على وجود قيادة مركزية قادرة على المحاسبة والسيطرة، ومن الناحية السياسية تمثل رسالة داخلية وخارجية بأن القيادة الجديدة تتبنى نهج “المؤسسة المسؤولة” التي تضع الانضباط فوق الولاء الشخصي. إن تطبيق هذا القرار عمليًا، ومحاسبة المتجاوزين مهما كانت مواقعهم، سيشكّل نقطة فاصلة في مسار إعادة بناء الثقة داخل المؤسسة العسكرية، ويضع لبنة حقيقية في تأسيس جيش وطني حديث.

وتبرز الدلالة الثالثة في البعد العملياتي والإنساني للخطاب، حين دعا الجنرال حميدتي إلى تضافر الجهود الوطنية والإقليمية والدولية لإغاثة سكان دارفور وكردفان، وتوجيهه للفرق الهندسية بنزع الألغام وتهيئة الطرق لعودة النازحين. هذه التوجيهات، في جوهرها، هي جزء من خطة أمنية متكاملة تهدف إلى تثبيت الاستقرار في مناطق السودان كافة وتأمينها ميدانيًا، فالسيطرة العسكرية على الأرض لا تكتمل إلا حين تتحول إلى استقرار مدني فعلي. ومن منظور أمني، فإن إزالة الألغام وفتح الطرق وإعادة الخدمات ليست أعمالًا إنسانية فقط، بل هي عمليات ميدانية ذات طابع استراتيجي تهدف إلى منع عودة التهديدات، وخلق بيئة آمنة تعزز حضور الدولة في مناطق النزاع.

أما الدلالة الرابعة، وربما الأعمق، فتتعلق برؤية حميدتي لمستقبل المؤسسة العسكرية والأمنية في السودان. إذ شدد على ضرورة بناء مؤسسات جديدة للدولة، تقوم على عقيدة عسكرية وطنية خاضعة للقيادة المدنية المنتخبة. هذا الطرح يمثل قطيعة مع نمط الحكم الذي ربط تاريخ السودان بالدولة العسكرية المتسلطة، ويؤسس لمفهوم جديد للأمن القومي يقوم على الفصل بين السلطة السياسية والسلطة المسلحة. من منظور استراتيجي، هذا التصور يفتح الباب أمام إصلاح شامل للقطاع الأمني، بما يشمل إعادة الهيكلة، والتدريب، وتوحيد القيادة تحت منظومة احترافية تخضع للقانون والدستور.

 

كذلك أشار الخطاب إلى خطورة الأوضاع الإنسانية في دارفور وكردفان ودعا إلى استجابة عاجلة. فالرسالة الأمنية هنا واضحة: استقرار السودان ليس قضية داخلية فحسب، بل مكون رئيسي في معادلة الأمن الإقليمي لمنطقة القرن الإفريقي وحزام الساحل والصحراء. وفي هذا الإطار، يمكن قراءة الخطاب باعتباره وثيقة تموضع استراتيجي جديدة تعيد تعريف دور المجلس الرئاسي كفاعل أمن إقليمي، لا مجرد طرف في صراع داخلي.

كما ان القراءة المتأنية لمجمل الخطاب تكشف عن تحوّل واضح في العقلية العسكرية لحميدتي، من قائد ميداني إلى رجل دولة يدرك أن الأمن لا يُدار بالقوة وحدها، بل بتوازنها مع السياسة، والإدارة، والعدالة. الخطاب لم يكن احتفاليًا، بل اتسم بلغة هادئة ومنضبطة، تحمل ملامح “الانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة بناء الدولة”. وهذه اللغة بحد ذاتها تمثل تغييرًا في قواعد الاشتباك السياسي والعسكري التي اعتادها السودان لعقود.

في المحصلة، يمكن القول إن خطاب رئيس المجلس الرئاسي لم يكن بيانًا تكتيكيًا، بل وثيقة استراتيجية تحمل رؤى لإعادة هيكلة منظومة الأمن والدفاع السودانية على أسس مهنية ووطنية. فهو يضع ملامح لخارطة طريق نحو أمنٍ مستدام، يقوم على سيادة القانون، والمساءلة، وإعادة الاعتبار للمؤسسات النظامية.

وإذا تحولت هذه الرؤية إلى برنامج عمل فعلي، فسيكون السودان أمام بداية عهد جديد تُعاد فيه صياغة مفهوم القوة لا كأداة للهيمنة، بل كضمانة للسيادة والاستقرار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!