
الخبير الأمني والعسكري د. مجدي شريف
تمثل العدالة إحدى الركائز الجوهرية التي تقوم عليها المجتمعات السليمة، وهي السياج الذي يحمي النظام العام ويصون حقوق الأفراد والجماعات من عبث الجريمة والتفلت. ومن هنا تنبع أهمية نظرية الجزاء والعقاب التي تشكل جوهر الفعل القانوني والسياسي في أي دولة راشدة. فالعقاب ليس فعلاً انتقامياً، بل هو تجسيد لإرادة المجتمع في صون قيمه وحماية أفراده من الإيذاء والظلم. ومتى ما سقطت هيبة الجزاء، تفككت منظومة الردع، وساد منطق الغاب، وتحولت العدالة إلى شعار أجوف لا أثر له في الواقع.
لقد أكدت التجارب الإنسانية كافة، من الشرائع السماوية إلى القوانين الوضعية، على مبدأ عدم الإفلات من العقاب باعتباره صمام أمان ضد التوحش والإفلات الأخلاقي والسياسي. ففي الإسلام مثلاً، تتجلى روح العدالة في قوله تعالى: “ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب”، أي أن العدل ليس غاية فحسب، بل وسيلة لبقاء المجتمعات وحماية أرواح الأبرياء. وعلى المنوال ذاته، تبنّى القانون الدولي الإنساني هذا المبدأ باعتباره أحد أسس العدالة الجنائية الدولية، إذ لا يجوز لأي شخص، مهما علا شأنه أو انتمى لأي جهة، أن يكون فوق القانون أو بمنأى عن المساءلة عن الجرائم التي يرتكبها ضد الإنسانية أو في سياق النزاعات المسلحة.
وفي هذا الإطار، انتشرت خلال الأيام الماضية على وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع مصوّرة لأحد الأفراد الذي عُرف لاحقاً باسم “أبو لولو”، وهو يقوم بارتكاب جريمة بشعة تمثلت في تصفية أسرى حرب خارج إطار القانون. وقد شكّل هذا الفعل صدمة أخلاقية وإنسانية، ليس فقط لدى الرأي العام، بل داخل مؤسسات قوات الدعم السريع نفسها، التي سارعت إلى إدانة الفعل ورفضه جملة وتفصيلاً، مؤكدة أن ما قام به لا يمثل قيمها ولا سلوك مقاتليها المنضبطين بأوامر القيادة. كما عبّر تحالف تأسيس وجماهير الشعب السوداني عن غضبهم العميق من هذه الجريمة، باعتبارها تمثل انتهاكاً صارخاً لأبسط قواعد الإنسانية، وتشويهاً لصورة النضال الشريف الذي يخوضه الأبطال دفاعاً عن الوطن.
وفي هذا السياق، جاءت توجيهات رئيس المجلس الرئاسي السيد/ محمد حمدان دقلو صارمة وواضحة، تؤكد على ضرورة تطبيق العدالة بلا تهاون، وإنصاف الضحايا والمظلومين، وعدم السماح لأي فرد أن يلطّخ سمعة القوات أو يعبث بالقيم التي تأسست عليها. فالقوة لا تعني البطش، بل المسؤولية، والقيادة لا تُقاس بكمية النار، بل بقدرتها على صون القانون وضبط السلوك الميداني.
تنفيذاً لهذه التوجيهات، تحركت وحدة مختصة من مخابرات قوات الدعم السريع يوم 30 أكتوبر في عملية دقيقة وسريعة، أسفرت عن القبض على المدعو “أبو لولو” وعدد من معاونيه. وتم اقتيادهم مخفورين إلى سجن شالا المركزي بمدينة الفاشر، حيث سيواجهون التحقيق والمساءلة القانونية على ما ارتكبوه من جرائم تتعارض مع القيم الدينية والأخلاقية والقوانين الوطنية والدولية على حد سواء.
إنّ هذا الإجراء يمثل نقطة تحول حقيقية في مسار العدالة داخل السودان، ورسالة قوية بأن قيادة حكومة تأسيس ممثلة في المجلس الرئاسي وقادة الدعم السريع جادة في ترسيخ دولة القانون والمحاسبة، لا الاستثناء والإفلات. كما أنه يضع سابقة إيجابية على المستوى الوطني والإقليمي، تؤكد أن العدالة ليست انتقائية، وأن المؤسسة العسكرية يمكن أن تُطهّر نفسها من شوائب الانحراف والانتهاك دون مواربة أو مجاملة.
لقد قوبل القبض على أبو لولو بارتياح واسع من المجتمعات المحلية في دارفور، التي طالما عانت من ويلات الإفلات من العقاب، ورأت في هذه الخطوة بداية لتصحيح المسار وإعادة الثقة بين المواطن ومؤسسات العدالة. كما حظي الإجراء بإشادة من المنظمات الإقليمية والدولية المعنية بحقوق الإنسان، التي اعتبرته مؤشراً على تحول حقيقي في بنية الدولة السودانية باتجاه بناء مؤسسات مسؤولة تحترم القانون وتردع المخالفين.
إن العدالة لا تستقيم بالبيانات ولا بالشعارات، بل بالفعل والإرادة، وقد جسدت قوات الدعم السريع والمجلس الرئاسي هذا الفعل في أبهى صوره. فحين يُحاسب المخطئ، تُصان كرامة الشرفاء، ويترسخ الإيمان بأن دماء الأبرياء لا تذهب هدراً.
عاشت العدالة،
وعاش السودان دولة القانون والانضباط والكرامة.




