
أبو عبدالله الراشدي
الفاشر لم تسقط، بل انكشفت فيها حقيقة طويلة من الخداع والتضليل. ما حدث مؤخراً لم يكن مجرد تحرير عسكري، بل كشف كامل لزيف الدعاوى الزائفة التي ارتداها تجار الحرب وأبواق الإعلام المضللة، والتي حاولت تصوير الخراب على أنه إنجاز و«الانكسار» على أنه نصر.
لقد سقطت الأكاذيب المتعلقة بفك الحصار، وسقطت أساطير «الانسحاب التكتيكي» و«إعادة التموضع» التي تكررت في بيانات لا معنى لها، بينما المواطن كان يدفع ثمن الاستهتار بالدماء والأرواح. سقطت أيضاً الدعاية المضللة التي حاولت تلميع صورة المليشيات القديمة وجيش الفلول، وسقطت كل الأوهام التي غذتها أعلام «حكومة الوهم» التي لا تملك القدرة على حماية المواطنين ولا على تقديم أي نموذج للشفافية أو العدالة.
على أرض الواقع، جاءت قوات الدعم السريع لتعكس صورة مختلفة تماماً عن الحرب. الانتصار لم يكن محصوراً في السيطرة على المدينة، بل تجسد في احترام حقوق الأسرى والمدنيين، وإطلاق سراح المعتقلين دون تهم مزيفة، ومعاملة الإنسان بكرامة وأخلاق عالية. هذه الممارسات تجسد رؤية القيادة الجديدة التي ربطت بين الانتصار العسكري والمسؤولية القانونية والإنسانية، لتؤكد أن السودان قادر على إعادة تأسيس مفاهيم العدالة والمساءلة، بعيداً عن الإفلات من العقاب الذي مارسه الجيش الموروث من الاستعمار على مدار عقود.
الجيش القديم، الذي ورث أدوات القمع والانتهاك، لم يقدم أي أسير للحركة الشعبية أثناء اتفاقية السلام الشامل عام 2005، بينما تم التعامل مع آلاف الأسرى بطرق إنسانية من قبل القوات الثورية الحديثة. هذا الفارق الواضح يؤكد الحاجة إلى جيش جديد، ينتمي للشعب ويحمي مصالح المواطنين، ويؤمن بالمساواة والعدالة دون أي تمييز أو تحيز.
الفاشر اليوم لم تعد مجرد مدينة محتلة أو مسرحاً للمعارك، بل أصبحت رمزاً للوعي الوطني وإمكانية التغيير الحقيقي. سقوط الوهم فيها يمثل فرصة لإعادة النظر في كيفية إدارة السودان وبناء مؤسساته، ويفتح الطريق أمام نهج جديد يعتمد على المحاسبة والشفافية واحترام حقوق الإنسان.
هذه اللحظة التاريخية في الفاشر تؤكد أن القوة لا تقاس بسلاح، بل بقدرة المؤسسات والقادة على حماية المواطن، وتحقيق العدالة والمساواة، وإرساء قيم وطنية حقيقية قادرة على بناء السودان الجديد، بعيداً عن الانقسامات والتجاذبات المدمرة.



