رأي

آن الأوان للاعتبار من تدفّق شلال الدم السوداني

عادل تاج الدين جار النبي

 

نبض قلم

عادل تاج الدين جار النبي 

لم تعد الفاشر مجرّد مدينة منكوبة أو عنواناً لحصار طويل، بل صارت مرآةً لواقعٍ سودانيٍّ ينهار أمام أعين الجميع. فالأحداث الأخيرة، وما رافقها من سقوطٍ مأساوي وضحايا مدنيين، كشفت أن الأزمة تجاوزت حدود الصراع بين جيشٍ ودعمٍ سريع إلى أزمةٍ أعمق: انهيار الدولة، وانقسام المجتمع، وغياب الرؤية الوطنية الجامعة. إنّ ما يجري ليس معركةً على الأرض فحسب، بل امتحانٌ أخلاقيّ وسياسيّ لإنسانية السودانيين ولضمير العالم الذي يكتفي بالمراقبة.

التقارير القادمة من الفاشر تشير إلى مآسٍ مروّعة: مستشفيات منهوبة، أحياء محروقة، آلاف المدنيين بين قتيلٍ وجريحٍ ونازح. لم يعد المشهد مجرّد اشتباكات متفرقة، بل تحوّل إلى كارثةٍ إنسانيةٍ متكاملة الأركان، تتهدّد فيها حياة مئات الآلاف وسط انعدامٍ تامٍّ للأمن والخدمات الأساسية. هذه ليست نتيجة يومٍ أو معركةٍ واحدة، بل حصيلة سنواتٍ من الفشل السياسي والإداري، ومن تجاهلٍ متواصلٍ لصوت الأقاليم المهمَّشة واحتياجاتها الحقيقية.

اليوم، بعد الفاشر، لا بدّ من مواجهة الحقيقة كما هي: الحل العسكري أثبت عجزه الكامل، والمغامرة بمصير البلاد لم تجلب سوى الخراب. إنّ الوقت قد حان ليتعلّم السودانيون والعالم من شلال الدم الذي أغرق دارفور ومن قبلها الخرطوم والجزيرة. لقد سقطت أوهام النصر، وبات واضحاً أن لا أحد سينتصر في حربٍ الجميع فيها خاسرون.

الحل لا يمكن أن يكون جزئياً أو فوقياً. المطلوب الآن رؤيةٌ وطنيةٌ جديدة، تبدأ من القاعدة لا من النخبة. سلامٌ حقيقيٌّ لا يُبنى على الإقصاء أو الغلبة، بل على الاعتراف بالمظالم والمساءلة العادلة. يجب فتح ممرات إنسانيةٍ محميةٍ فوراً، بإشرافٍ دوليٍّ ومحليٍّ مشترك، لضمان وصول الغذاء والدواء والمأوى للمدنيين دون تسييسٍ أو انتقام. كما يجب توثيق الانتهاكات بشكلٍ منهجيٍّ ومحايدٍ لضمان العدالة الانتقالية لاحقاً، وإغلاق دائرة الإفلات من العقاب التي دمّرت الثقة بين المواطن والدولة.

سياسياً، آن الأوان لإطلاق عملية حوارٍ سوداني–سوداني حقيقية تشمل كلّ القوى المدنية والمجتمعية والنسائية والشبابية المحبةللسلام و الداعمة للاستقرار و عزل الفئة الرافضة للحل السلمي، لا اتفاقاتٍ شكلية في العواصم البعيدة. لا بدّ من وقفٍ شاملٍ ومراقَبٍ لإطلاق النار، يعقبه مسارٌ واضحٌ لإعادة بناء المؤسسات، وتأهيل الخدمات، وإعادة النازحين واللاجئين إلى ديارهم بكرامةٍ وأمان.

في المقابل، يجب أن يتحمّل المجتمع الدولي مسؤوليته الأخلاقية والقانونية، ليس بالبيانات وحدها، بل بإجراءاتٍ ملموسةٍ تضمن حماية المدنيين ووقف تدفق السلاح، مع دعمٍ حقيقيٍّ لبرامج إعادة الإعمار والتعليم والصحة النفسية. كما أن للشتات السوداني والمجتمعات المحلية دوراً محورياً في بناء بدائل سلمية، تعليم للأطفال، تمكين للشباب، وتوسيع لشبكات المصالحة المجتمعية التي يمكن أن تكون نواة سلامٍ مستدام.

الفاشر ليست نهاية الطريق، بل بداية اختبارٍ جديد لضمير الأمة. من لم يفهم الدرس بعد، فعليه أن ينظر في عيون الأطفال الجياع والنساء المشرّدات ليدرك أن الحرب لم تعد قضية سلطة، بل جريمة ضد مستقبل وطن بأكمله. الاعتبار الحقيقي ليس في الحزن، بل في الفعل: أن يتحول الغضب إلى وعي، والدم إلى عهدٍ جديدٍ قوامه المصالحة والعدالة والتنمية. إن السودان، بكلّ ما يملك من تاريخٍ وإنسانٍ وثروةٍ، يستحقّ أن يُعاد إليه الأمل، لا بالبيانات ولا بالشعارات، بل بإرادةٍ وطنيةٍ صادقةٍ تضع حدّاً للنزيف وتفتح الطريق لبناء وطنٍ يتسع للجميع.

دالاس/تكساس 

الجمعة الجامعة ٣١ أكتوبر ٢٠٢٥

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!