
أبو عبد الله الراشدي
قد تُهزم الجيوش بالسلاح، لكن الأكاذيب تُهزم بالوعي.”
في مدينة كمبالا، حاول نفرٌ من أتباع حكومة البرهان الانقلابية وبعض المنتسبين لحركات الكفاح المسلحة أن يصنعوا مشهدًا زائفًا تحت لافتة “الوقوف مع أهل الفاشر”. كانت المسيرة هزيلة في شكلها ومضمونها، تردد الشعارات القديمة التي فقدت بريقها منذ زمن، وتعيد الأكاذيب التي أكل عليها الدهر وشرب.
لكن في الفاشر نفسها، حيث تتحدث الأرض بلغة الدم والصبر، كانت الحقيقة تكتب روايتها المغايرة. فهناك، انكشفت الأكاذيب، وتعرت الدعايات السوداء، وأدرك الناس أن ما يُبث من أبواق الانقلاب ليس إلا محاولة فاشلة لإعادة تدوير الخداع باسم الوطن.
لقد تأكد للجميع أن جيش الحركة الإسلاموية وحركات الارتزاق لم يقاتلوا من أجل الشعب، بل استخدموا المدنيين دروعًا بشرية، وحولوا المدارس والمستشفيات إلى ثكناتٍ عسكرية. أرادوا أن يجعلوا من الحرب وسيلة للعودة إلى السلطة، ولو على أنقاض المدن وأشلاء الأبرياء.
في المقابل، ظهرت صور لم يستطع العالم أن يتجاهلها: قوات الدعم السريع وهي تقدم الغذاء والدواء للمحاصرين، وتفتح الممرات الآمنة، وتؤمّن المستشفيات. مشاهد نسفت الدعاية المضللة التي حاولت طمس الحقائق منذ اليوم الأول للحرب.
الفاشر اليوم ليست مجرد مدينة تحررت من حصار المليشيات، بل من أسر الأكاذيب أيضًا. فقد اكتشف أهلها أن الإعلام الذي شيطن الدعم السريع هو ذاته الذي صنع أسطورة “الجيش الوطني” المزيف، وأن الحرب التي قادها الفلول لم تكن من أجل الدفاع عن السودان، بل لإعادة عجلة التاريخ إلى الوراء، حيث الاستبداد والتمكين والظلام.
الحرب التي بدأت بكذبة صغيرة، كبرت حتى ابتلعت الحقيقة نفسها، لكن الشعوب لا يمكن أن تُخدع إلى الأبد. اليوم، صار وعي الناس أقوى من الرصاص، وصاروا يعرفون من يقاتل من أجلهم ومن يتاجر بدمائهم.
لقد سقط القناع عن جيش الكذبة، وانكشف وجه الجماعة التي باعت الوطن باسم الدين. أما الفاشر، فقد رفعت راية الوعي في وجه الزيف، وأعلنت أن النور لا يُطفأ مهما حاولت العتمة أن تمد ظلالها.
حين تسقط الأقنعة، لا يحتاج الضوء إلى إذنٍ كي يشرق.”




