رأي

قبائل جُنيد في الوجدان القومي: من ركائز العسكرية إلى ريادة الدولة الفيدرالية

مليح يعقوب حماد

 

  مليح يعقوب حماد

(باحث في إدارة التنوّع)

​مقدمة: السودان كتحالف هوياتي عريض

​إنَّ التاريخ السوداني الحقيقي قادرٌ اليوم على تحرير نفسه من سرديات النخب المتحيزة، ومساراتها الأيديولوجية الضيقة المكتوبة بمنطق (القلم في يدي وما بكتب عمري شقي)؛ ذاك المنطق الذي يُجمّل وجه الكاتب ويطمس حقائق الهامش. فالتاريخ الحق هو مساحة حرة مفتوحة على الآخر، وملحمةٌ صنعتها تدافعات شعبية وتواثقات هوياتية كبرى، صهرت مادة الأرض بروح الهجرات، لتُنتج واقعاً سودانياً عريضاً يتجاوز الانحيازات نحو رحاب الدولة الجامعة. وفي هذه اللوحة القومية، تبرز قبائل جُنيد كرافد استراتيجي ومكون عضوي في بنية الدولة السودانية؛ فهي تمثل نموذجاً سودانياً فريداً في “الإدارة والفروسية”، يتكامل مع أدوار المكونات الوطنية الاخرى ليشكلوا جميعاً “الشخصية السودانية الجامعة” التي لا تقبل الإقصاء ولا تحتمل التهميش.

​أولاً: حقيقة النسب ومحطات التأسيس (الجسر التاريخي ومظلة السلطان شرنقو)

​يؤكد المؤرخ هارولد ماكمايكل (H.A. MacMichael) أن “جُنيد” هو المظلة الأنثروبولوجية الجامعة التي تنحدر منها قبائل (العطاوة، والحيماد، وراشد الولاد، وجبير). وقد بلغت ذروة استقرار هذه المجموعات في أقاليم كردفان ودارفور وتشاد عبر محطة تاريخية مفصلية؛ هي “سلطنة خزام” التي نشأت في الحقبة الانتقالية ما بين انهيار ممالك “الداجو” وقيام ممالك “التنجر”.

​لقد مثلت سلطنة خزام “الجسر التاريخي” الذي عبرت من خلاله المجموعات الجنيدية من نمط التحالفات القبلية الرعوية إلى رحاب القوة السياسية والمؤسسية المنظمة، حيث توحدت هذه المكونات تحت مظلة السلطان شرنقو؛ الزعيم الروحي الذي أرسى تقاليد الحكم الفيدرالي المبكر وحوّل “خزام” إلى كيان سيادي استمر لقرون. هذا الوجود الضارب هو الذي منح جُنيد “شرعية المواطنة التاريخية” ورسخ مفهوم الحواكير الموثقة لاحقاً، مؤكداً أن مشروع “الدولة” لدى الجنيديين هو إرث سياسي ومؤسسي قديم. وبعد انهيار السلطنة، توزعت البطون ما بين كردفان ودارفور والنيلين الأبيض والأزرق في حواكيرها الحالية، الموثقة رسمياً لدى سلطنات السودان العريقة كالفور والمسبعات وسنار وتقلي، بالإضافة إلى ما هو موثق في سجلات الإدارة البريطانية ، وقد تجاوزت جنيد لاحقا المفهوم التقليدي للقبيلة المرتبط بالجذور والانساب الى فضاءات أوسع مفتوحة على كل التحالفات.

​ثانياً: جُنيد كعمود فقري للعسكرية السودانية

​لا يمكن قراءة تاريخ الجيش السوداني بمعزل عن “الرافد الجنيدي”؛ فمنذ الثورة المهدية، كانت هذه القبائل هي الكتلة الضاربة التي حمت بيضة الدولة وصاغت عقيدتها القتالية القائمة على الجسارة والجلد. ويشير نعوم شقير إلى أن معارك التأسيس الوطني في “شيكان” والخرطوم خُضبت بدم جنيدي خالص، امتزج بدماء السودانيين قاطبة.

​لقد ظلت هذه المجموعات تمثل الركيزة البشرية والقتالية الأساسية للقوات المسلحة السودانية؛ إلا أن الأزمة البنيوية بدأت حين استهلكت نخب المركز هذا “المخزون القتالي” لتثبيت أركان السلطة، مع تغييب “العقل السياسي” لهذه القبائل، مما خلق فجوة عميقة بين من يحمل السلاح في الميدان ومن يصنع القرار في الدواوين.

​ثالثاً: الانحياز للفيدرالية.. “صرخة التصحيح” العسكرية والسياسية

​ لم يكن انحياز قبائل جُنيد لمشروع ‘الفيدرالية السياسية والثقافية’ خياراً معزولاً، لقد جسّد اصطفافاً لقوى الهامش السوداني التي استعادت إرث ثورة ‘الأنانيا’ 1955م، لتعيد طرح الفيدرالية كضرورة تاريخية لإدارة التنوع ، ان حرب 15 ابريل زلزالاً استراتيجياً أدى لـ “قصم ظهر” التصورات التقليدية للقوات المسلحة السودانية. فمنظور إيان كنيسون حول “ديمقراطية الرعاة” يفسر لماذا لا يمكن لهذه المجموعات أن تظل مجرد “أداة” في يد مركزية قابضة لا تعترف بتنوعها.

​هذا الانحياز للفيدرالية هو في جوهره دعوة لتأسيس “جيشاً قومياً مهنياً” يعكس تنوع السودان الحقيقي. إن “قصم ظهر” الصيغة القديمة للمؤسسة العسكرية يكسر “احتكار القوة” لصالح بناء عقد اجتماعي عسكري وسياسي جديد، يضمن لجميع المكونات الحق الأصيل في القيادة وصناعة القرار السيادي.

​رابعاً: ريادة الاستقلال (الوعي المدني الموازي للفروسية)

​تظل واقعة 19 ديسمبر 1955 الدليل الدامغ على نضج الوعي الجنيدي؛ فحين تقدم الناظر عبد الرحمن دبكة (من بني هلبه – جُنيد) بمقترح استقلال السودان من داخل البرلمان، وثنّى عليه جمعة سهل (من المزروب)، كان ذلك إعلاناً بأن من يحمي الثغور بالسنان هو الأجدر برسم خارطة الطريق للسيادة بالبيان. لقد كان دبكة “صوت الهامش” الذي لم يطالب بامتياز لجهته، بل طالب بالحرية لكل السودان، مؤكداً أن جُنيد شريك في “التأسيس المدني” بقدر شراكتها في “الفداء العسكري”.

​خامساً: نحو “سودانوية” شاملة (رؤية فرانسيس دينق)

​استناداً إلى أطروحة فرانسيس دينق في كتابه “حرب الرؤى”، فإن أزمة الدولة تكمن في “خيانة التقدير” للمكونات التي حمت السيادة. إن إنصاف قبائل جُنيد اليوم، والاعتراف بدورها كركيزة عسكرية وسياسية، هو بوابة لإنصاف كل الهوامش السودانية المنسية. إن الفيدرالية التي تنادي بها جُنيد هي الضامن الوحيد لمنع تفتت الدولة مستقبلاً، عبر تحويلها إلى دولة “مواطنة” تحتفي بالتنوع العرقي و الثقافي كعنصر قوة لا عامل ضعف.

​خاتمة: العقد الاجتماعي الجديد

​إن قبائل جُنيد، بجذورها الضاربة وتاريخها الحافل في صناعة الجيش والسيادة، تظل “الركن الركين” في المشروع القومي السوداني. إن مستقبل السودان مرهون بقدرتنا على استيعاب طموحات هذه المكونات ضمن “عقد اجتماعي جديد”؛ عقد يحترم الحواكير كحقوق تاريخية، والفيدرالية كآلية حكم عادلة، والقومية كإطار جامع. إن من بدأ الاستقلال بمقترح برلماني، وحماه بحد السيف، هو الأجدر اليوم بوضع لبنات “سودانوية” تسع الجميع، ويكون فيها الجيش المهني الجديد حارساً للتعددية لا أداةً لتقويضها.

​قائمة المصادر والمراجع:

​هارولد ماكمايكل: تاريخ العرب في السودان (تأصيل الأنساب، الحواكير، وتواريخ الدخول).

​إيان كنيسون: عرب البقارة (عن النظم السياسية وديمقراطية الرعاة).

​فرانسيس دينق: حرب الرؤى (عن صراع الهويات وأزمة الثقة بين المركز والهامش).

​نعوم شقير: تاريخ السودان (عن الدور القتالي لطلائع جُنيد في المهدية والجيش السوداني القديم).

​مضوي الترابي: تاريخ البرلمان السوداني (توثيق لحظة مقترح الاستقلال 1955).

​د. يوسف فضل حسن: العرب والسودان (عن تمازج الهويات وعملية التسودن).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!