رأي

بين المؤامرات والدماء: التاريخ الأسود للخطاب الإسلامي في السودان

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

 

“من يجهل الماضي محكوم عليه بتكراره.”

على مدى أكثر من ثلاثة عقود، ظل الإسلاميون في السودان – من خلال حزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية – يتقنون فن صناعة “الأعداء الوهميين” لتبرير إخفاقاتهم الكارثية في إدارة الدولة والسياسة والاقتصاد. كلما ضاق الخناق عليهم داخليًا، لجأوا إلى خطاب المؤامرات الخارجية، يصورون الشعب السوداني كضحية لتدخلات دولية، بينما كانوا هم في الحقيقة من ينهبون الثروات ويعزلون البلاد عن محيطها الطبيعي.

ليست هذه الاستراتيجية جديدة. ففي التسعينيات، اتهموا مصر والغرب بالتآمر ضد السودان، ثم ركّزوا سهامهم على الولايات المتحدة. وبعد سقوط نظام البشير، صبوا جام غضبهم على الإمارات، معتبرينها رأس الحربة ضد مصالح السودان، بينما الهدف كان دائمًا واحدًا: تبرير الفشل الداخلي عبر إيهام الشعب بأن القوى الخارجية هي السبب وراء التدهور، في حين أن فسادهم وسوء إدارتهم هما السبب الحقيقي لكل الأزمات.

“الأعداء الحقيقيون غالبًا ما يختبئون خلف أقنعة الأصدقاء.”

بهذا الخطاب، تمكن الإسلاميون من تحقيق غايتين أساسيتين: أولًا، إخفاء جرائمهم الداخلية من قمع، فساد، وتمكين حزبي دمّر مؤسسات الدولة وأخضعها لتجارب سياساتهم الفاشلة. ثانيًا، تبرير التضحية بمصالح الشعب عبر تصوير المعركة مع الخارج على أنها أهم من تحسين حياة المواطنين، بحيث يصبح الواقع القاسي الذي يعيشه السودانيون مجرد نتيجة “مؤامرات” خارجية وليس نتيجة فساد داخلي.

لكن اليوم، ومع إعلان الإمارات انضمامها إلى المبادرة الرباعية إلى جانب السعودية ومصر والولايات المتحدة، تتبدد رواية الإسلاميين بشكل غير مسبوق. فقد أصبح واضحًا أن موقف هذه الدول يهدف إلى دعم الحل السياسي السلمي في السودان، ووضع حد لمشروع الإسلاميين الذي يقوم على إشعال الحروب وإطالة أمد الفوضى لضمان عودتهم إلى السلطة. كل ما وصفه الإسلاميون بـ”عداء الإمارات للسودان” لم يكن إلا عداءً لمشروعهم الخاص الذي يرفض السلام والاستقرار.

“الحق لا يُقهر بالزور، مهما طال زمن الكذب.”

في مواجهة هذا الواقع الجديد، أصبح الإسلاميون في مأزق حقيقي. الخيارات المتاحة أمامهم كلها خاسرة: إما الاستمرار في مهاجمة الإمارات وحدها، ما يكشف تناقضاتهم أمام الرأي العام، أو توسيع الهجوم ليشمل السعودية ومصر، ما يفضح استراتيجياتهم أمام كل الحلفاء الإقليميين والدوليين، أو الصمت التام، وهو اعتراف بالعجز وفقدان القدرة على تفسير الواقع السياسي الجديد.

على مدى عقود، اعتمد الإسلاميون على أربع أدوات رئيسية لتضليل الشعب: خلق عدو خارجي دائم لتوجيه الغضب بعيدًا عن فسادهم الداخلي، استغلال الدين والهوية لتصوير خصومهم كأعداء للإسلام وليس خصوم سياسيين، توظيف الإعلام والدعاية لتكرار خطاب المؤامرة حتى يتحول إلى مسلّمة في ذهن المواطن، وصناعة بيئة خوف وتشكيك عطّلت أي حراك وطني حقيقي لعقود.

لكن سقوط الرواية بعد بيان الرباعية كشف الحقيقة: عداؤهم لهذه الدول لم يكن من أجل السودان، بل من أجل استمرار مشروعهم الشخصي الذي دمّر البلاد. كما أن محاولاتهم لإشعال الفتن الإثنية والاجتماعية وخلق مزيد من الانقسام وسط المجتمعات السودانية اصطدمت بوعي الشعب المتنامي ورفضه للحرب والإرهاب الفكري والسياسي الذي مارسه الإسلاميون منذ أكثر من ثلاثة عقود.

“الشجاعة ليست في القتال، بل في مواجهة الحقيقة.”

اليوم، كل الحملات الدعائية التي تهدف إلى الزج بالمجتمعات والشعوب في صراعاتهم السياسية والفكرية فشلت، ولم يستجب لها إلا بعض الأبواق والنفعين الذين يروجون لأجنداتهم الخاصة. ووعي الشعب السوداني أصبح السلاح الأقوى ضد أي محاولة لإعادة إنتاج النزاعات القديمة، وضمان حماية المجتمع من العودة إلى دوامة الحروب والفتن.

لقد أثبت التاريخ أن استخدام الدين كستار للأجندات السياسية لا يؤدي إلا إلى الخراب، وأن الشعارات المضللة التي روج لها الإسلاميون على مدى عقود سقطت أمام وعي الجماهير. أما الآن، فإن السودان أمام فرصة حقيقية لإعادة ترتيب المشهد السياسي، وترسيخ دولة قائمة على العدالة والمساواة والمواطنة، بعيدًا عن خطاب الكراهية والتحريض، والفساد والنهب.

“لا سلام بلا عدالة، ولا حرية بلا ضمير.”

إن وعي السودانيين بتاريخهم الأسود مع الإسلاميين هو الضمان الأبرز لمستقبل البلاد. فالشعب بات يعرف أن الأعداء الحقيقيين ليسوا في الخارج، بل هم أولئك الذين يرفضون السلام، ويعرقلون الحلول السلمية، ويحاولون إعادة إنتاج الفوضى لأجل البقاء في السلطة. هذه الحقيقة يجب أن تكون الدرس الرئيس لأي جيل جديد من السودانيين: مواجهة الحقيقة بشجاعة، ومحاسبة من استغل الدين والسياسة لتحقيق مصالح شخصية على حساب الوطن.

“الأمة التي تعرف تاريخها تعرف طريق مستقبلها.”

إن الطريق نحو السودان الجديد يبدأ بفهم التاريخ، وفضح الأكاذيب، ومساءلة من تسبب في دمار الدولة والمجتمع، وضمان عدم تكرار التجارب المأساوية التي عاشها المواطنون لعقود. ووعي الشعب هو السلاح الأقدر لمواجهة التضليل السياسي والإعلامي، ولحماية السلام والاستقرار، وإعادة بناء السودان دولةً قويةً عادلة، يحمي فيها القانون حقوق جميع المواطنين دون استثناء.

“من يزرع الكذب لا يجني إلا الخيبة.”

في نهاية المطاف، يتضح أن المشروع الإسلامي الذي سعى إلى السيطرة على السودان عبر الأكاذيب والحروب قد فشل، وأن المستقبل للشعب الواعي الذي يرفض الاستسلام للفتن، ويقف مع العدالة، والسلام، وكرامة الإنسان. هذا هو الخيار الحقيقي أمام السودان: وعي شعبه، وعدالة مؤسساته، وسلام دائم يقطع الطريق أمام أي محاولة لإعادة إنتاج الزيف والدمار.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!