رأي

السودان بين جريمة الحرب وتضليل الحقيقة: إلى متى العبث بدماء الشعوب؟

بروفيسور عبدالرحمن العمرابي

 

بقلم: عبدالرحمن العمرابي

عضو مؤسس في تحالف تأسيس وعضو تجمع السودانيين المستقلين

في المشهد السوداني المترنح بين هدير البنادق وصمت الضمير، لا يمكن فصل الجرائم التي تُثار حولها البيانات والأفلام والاتهامات اليوم عن سياقها الممتد عبر التاريخ السياسي الحديث للسودان. فالحديث عن ما جرى في الفاشر ليس حديثاً عن واقعة منفصلة، بل هو فصل جديد من سلسلة متصلة بدأت منذ جريمة فض الاعتصام، مروراً بالشراكة المعيوبة بين العسكريين المتهمين والمدنيين الذين تَسلّقوا تمثيل الشعب في حكومة انتقالية فقدت استقلالها، وانتهت بالانقلاب العسكري وما أعقبه من انهيار مؤسسي شامل مهّد للحرب التي عمّت البلاد من أقصى الشمال إلى عمق دارفور.

الوقائع والتسريبات المتواترة من داخل المؤسسات المتنازعة تشير إلى أن ما يُطرح للرأي العام في المؤتمرات والبيانات ليس إلا جزءاً صغيراً من حقيقة أوسع يجري التفاوض حولها خلف الأبواب المغلقة، بين قوى لا يجمعها إلا الخوف من المساءلة. الجرائم التي تُذكر الآن بوصفها فظائع جديدة ليست إلا استمراراً لأنماط القتل والقمع التي مورست تحت شعارات مختلفة في أزمنة متعاقبة، وهي اليوم تتخذ أشكالاً إعلامية مموهة تسعى لتبديل الجلاد بالضحية وتزييف الوعي الجمعي.

الذين فبركوا المقاطع والوثائق واصطنعوا الشهادات كما فعلوا في جرائم سابقة لا يهدفون إلى الحقيقة بل إلى تضليل العدالة، سواء اليوم في وجدان الناس أو غداً أمام لجان التحقيق. فالمشهد المموّه ليس بريئاً، بل هو محاولة ممنهجة لتبرئة الأطراف الفاعلة من تبعات ما ارتكبته وتفريغ الجريمة من معناها القانوني والسياسي، في تكرارٍ مقيت لأسلوب التعمية الذي لازم كل مرحلة انتقالية منذ الاستقلال.

خطاب الفريق محمد حمدان دقلو، رئيس حكومة تأسيس وقائد أول قوات الدعم السريع، جاء — وفق تحليل عدد من المراقبين — كمحاولة لإعادة ترتيب الصورة السياسية للدعم السريع دولياً أكثر مما هو إعلان مراجعة داخلية أو استعداد حقيقي لتسوية وطنية. فقد رأى محللون أن الخطاب، رغم لغته المتوازنة، لم يقدّم ضمانات عملية لوقف القتال أو آلية محددة للالتزام الإنساني، وإنما استند إلى لغة سياسية تسعى إلى كسب التعاطف الخارجي دون التورط في التزامات واضحة. ان حديث قائد اول محمد حمدان دقلو وان كان يستمد قوته من صدق الرجل ورغبته المثبته نحو انهاء الحرب إلا انه يبدوا بان بعض الخقائق مغيبه لذلك اعتبر المحللون ان هذا يضع خطابه في خانة المناورة لا المراجعة وان شكك في ذلك من يعرفونه وبالغ في تقويضه من يعادونه.

أما محادثات واشنطن الأخيرة فقد وُصفت بأنها “محادثات” لا “مفاوضات”، وهو توصيف لا يخلو من الدقة، إذ أن المحادثة تُعني التبادل دون اعتراف متبادل بالشرعية، بينما المفاوضات تفترض أن الأطراف متكافئة سياسياً. هذه الصيغة تؤكد أن المجتمع الدولي لم يمنح بعد أي طرف صفة الممثل السياسي الشرعي، وأنه يتعامل مع الملف السوداني بوصفه نزاعاً مفتوحاً لا عملية سياسية مكتملة.

ومن اللافت أن ما يُروَّج له في الإعلام عن “موافقة الأطراف على هدنة” يُفهم لدى المتابعين كإشارة إلى رفضها وقف إطلاق النار. فـ«الهدنة» في المفهوم العسكري والقانوني ليست سوى توقف مؤقت للأعمال العدائية بغرض إنساني محدد، يمكن أن يمتد لساعات أو أيام، ولا يحمل أي التزام سياسي أو اعتراف متبادل. أما «وقف إطلاق النار» فهو اتفاق ملزم يوقف العمليات القتالية في كل الجبهات ويمهّد لتسوية سياسية شاملة. وفي الحالة السودانية، قبول الهدنة ورفض وقف النار يعني أن الأطراف لا تزال ترى الحرب وسيلة تفاوض وليس مأساة وطنية، وأن الهدف ليس إنهاء الصراع بل تحسين شروط الجلوس إلى الطاولة.

هذه المقاربة بين الهدنة ووقف النار تكشف جوهر المعضلة السودانية: لا أحد يريد الاعتراف بانتهاء الحرب لأنه لا أحد يملك رؤية لما بعدها. ولذلك تبقى البلاد رهينة هدَن مؤقتة، ووعود سياسية غير منفّذة، ومجتمع دولي يكتفي بالبيانات، فيما تُترك المدن تحت رحمة المجهول.

إعلان “الهدنة” دون “وقف النار” يعني ببساطة:

أن الأطراف لا تزال ترى الحرب وسيلة ضغط، وأنها غير مستعدة للسلام بعد، بل تريد فقط تنفيساً إنسانياً مؤقتاً يجمّل وجهها أمام العالم.

فمن يطلب هدنة دون نية وقف الحرب، كمن يضع شريط إسعاف على جرحٍ ينزف بغزاره.

بالنسبة لتحالف تأسيس وحكومته، فإن التطورات الأخيرة تضعهما أمام امتحان معقد بين السعي لإثبات الاستقلال المدني وبين الضغوط الدولية التي تتحدث عن استبعاد أي كيان مدني يعمل من مناطق خاضعة لسيطرة الدعم السريع. هذا الطرح، وإن كان يبدو فنياً، إلا أنه يحمل تبعات سياسية خطيرة لأنه يعيد إنتاج منطق الإقصاء الذي بدأ مع الثورة الأولى واستمر في كل مرحلة انتقالية لاحقة. القوى المدنية الأخرى مثل صمود وتجمع السودانيين المستقلين تواجه هي الأخرى ارتباك الموقف ذاته: كيف تُحافظ على استقلالها المدني دون أن تُتهم بالتحالف مع طرف، وكيف تظل جزءاً من الحل دون أن تُستغل كغطاء لطرف مسلح.

الاقتراح الدولي الأخير القاضي باستبعاد أي جسم مدني يعمل من مناطق تحت سيطرة الدعم السريع يضع تحالف تأسيس في قلب العاصفة.

فبينما يؤكد التحالف مدنيّته واستقلاله، يحاول خصومه وخصوم الدولة المدنية وصمَه بأنه “واجهة سياسية” لقوة عسكرية.

الحقيقة أن تأسيس لم يولد من رحم السلاح، بل من رحم الفكرة — فكرة الدولة الاتحادية المدنية والوحدة الطوعية والسلام المستدام.

إلا أن اختفاء شريك اساسي وهو الحركه الشعبيه شمال وتزامن وجوده في مناطق تحت سيطره للدعم السريع أعطى خصومه ذريعة للطعن في شرعيته.

وفي المقابل، تواجه كيانات مثل صمود وتجمع السودانيين المستقلين التحدي ذاته من زاوية أخرى:

فهم يُتهمون من قبل بعض القوى المركزية بأنهم “موالون لتأسيس”، ومن قبل البعض الآخر بأنهم “محايدون إلى حد اللاموقف” وان كانت هذه المواقف تحمل بعض من الواقعيه ولكنها نتاج للوضع الحقيقي علي الارض.

لذلك، يري الكثيرون انه يتعيّن على هذه القوى أن تتوحد في خطاب مدني جامع يؤكد أن لا تبعيه يتم إظهارها في صوره شراكه مصلحيه لأي من الطرفين المسلحين، وأن الحل المدني المستقل هو المسار الوحيد المتبقي لإنقاذ السودان من التقسيم والفوضى وان يقوموا بدور الوسطاء لا الاتباع. ومن الواضح ان قياده الدعم السريع متوافقه مع ذلك وتحاول تقديمه بصوره تحفظ مكانها القيادي في قوات تاسيس في شراكه مع الحركه الشعبيه شمال وباقي الحركات العسكريه المتحالفة مع مدنيي تاسيس من اجل الحمايه والمساعده للوصول الي الدوله المدنيه الفدراليه العلمانيه التي لم تتبين ملامحها بوضوح تنفيذياً حتي الان.

في النهاية، ما يجري في السودان اليوم ليس سوى إعادة تدوير لأخطاء الأمس في ثوب جديد، حيث تتبدل الشعارات وتبقى الأدوات ذاتها: تزييف الوعي، وصناعة الأكاذيب، وتبديل الضحايا بالجلادين. كل من شارك في تضليل الرأي العام أو تستر على الجرائم أو حاول حرف العدالة عن مسارها، شريكٌ في الجريمة، مهما كان موقعه أو لونه السياسي.

إن الدم السوداني لا يحتاج إلى وسيط ليثبت أنه بريء، والحقيقة لا تحتاج إلى متحدث باسمها، بل إلى من يصونها من التزوير. فمن لم يتعلم من تاريخ الجرائم السابقة سيجد نفسه يعيد إنتاجها تحت مسميات جديدة. وما لم تُفصل السياسة عن السلاح، والسلطة عن التضليل، فلن تكون الهدنة سوى استراحة محاربين ينتظرون جولة أخرى من الخراب.

الواقع يقول ان القرار بيد الدعم السريع ومساندته لاحلال السلام احد مفاتيح الحل حتي في ظل تعنت الانقلابيين ومسانديهم من الإسلامويين وعليهم العمل علي توسيع القاعده المدنيه بدء بتوسعيها داخل القوي المسيطره علي قرار تاسيس التي يمكن ان تؤثر عليها دون تنازع علي القياده.

السودان واهله يستحقون ان ينتقلوا الي مرحله السلام والأمان لينهضوا ببلادهم ويضعوا لبنات النجاح للأجيال القادمه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!