
عبدالناصر آدم حمزة (ود الشهيد)
بعد تحرير مدينة الفاشر على أيدي قوات التأسيس، عمّت الفرحة أرجاء إقليم دارفور. خرج الناس إلى الشوارع يحتفون بالحرية، في لحظةٍ بدت وكأنها طيٌّ لصفحةٍ طويلة من الاستبداد والوصاية التي ظلت تُفرض على الإقليم منذ عقود. كانت الفاشر، يومها، تشيّع دولة الظلم إلى مثواها الأخير، وتفتح أبواب الأمل لبناء وطنٍ جديدٍ يقوم على العدالة والمواطنة لا على الامتيازات والهيمنة.
لكن في الجهة المقابلة، كان جيش الحركة “اللا إسلامية” وفلول النظام البائد يعيشون صدمة الانهيار الكامل بعد فقدانهم آخر معاقلهم في دارفور. حاولوا، كما هي عادتهم، تزييف الوعي عبر حملات إعلامية مشبعة بالكذب والمغالطة، بعد أن كانوا قبل أيام فقط يتغنون بشعاراتٍ جوفاء مثل “شنب الأسد” و”مقبرة الجنجويد”، ويراهنون على حربٍ ظنوا أنها ستعيد لهم سلطانهم المفقود.
وحين انقلبت الموازين، لم يجدوا سوى المتاجرة بالإنسانية ستارًا يخفون خلفه هزائمهم، فراحوا يضخّمون بعض التجاوزات المحدودة، متجاهلين أن حكومة التأسيس برئاسة الفريق أول محمد حمدان دقلو كانت أول من بادر بتشكيل لجان تحقيق لمساءلة المتورطين، تأكيدًا لاحترام القانون الدولي الإنساني ومبادئ العدالة. هذه هي المفارقة التي تثير الدهشة: الذين أشعلوا نيران الحرب، يتباكون اليوم على رمادها!
أين كانت إنسانيتهم عندما كانت طائرات جيشهم تقصف الأسواق والقرى في نيالا والكومة وكردفان، وتحصد أرواح الأبرياء من النساء والأطفال؟ أين كان ضميرهم عندما أُلقيت القنابل على سوق “طُرة” بشمال دارفور وسقط المدنيون بالعشرات؟ أين كانت صيحاتهم حين جُرّت جثة الشهيد اللواء علي يعقوب في شوارع الفاشر على يد من يزعمون اليوم الدفاع عن الكرامة الإنسانية؟
من المؤسف أن من صفقوا للدم بالأمس صاروا اليوم دعاة رحمة وإنسانية. يتحدثون عن القيم والقانون وكأن ذاكرة الشعب قد مُسحت من جرائمهم. غير أن الوعي الجمعي السوداني لم يعد يُخدع بهذه الأقنعة؛ فالمجتمعات التي دفعت ثمن الحرب دمًا ودموعًا تعرف جيدًا من الذي أشعل النار، ومن الذي يسعى اليوم لإطفائها.
إنّ السلام لا يبنيه من يختبئ وراء الشعارات، بل من يملك الشجاعة لمواجهة الحقيقة، والصدق في بناء وطنٍ يتسع للجميع. نعم للسلام، ولا للحرب التي لم تحصد سوى الخراب والفقد والدمار.
فليعلم أولئك الذين يحاولون ارتداء ثوب الطهر الزائف أن الشعوب قد تعلّمت أن تميّز بين القاتل والضحية، بين من يزرع الموت، ومن يحرس الحياة.
الله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.




