رأي

أزمة السيادة المفقودة: صمت الحكومة وتداعيات استباحة الدماء والأرض

أزمة السيادة المفقودة: صمت الحكومة وتداعيات استباحة الدماء والأرض

 

بقلم: جيلان شارف أجبر

كم كانت أعمارهم؟ وكيف أتوا إلى هنا؟ وما الأحلام التي قادتهم من أصوات البنادق إلى صفير الرياح، ومن أزيز طائرات يرتجفون عند سماع صوتها موقنين انه الموت يحلق من فوقهم بلا استحياء في شاسع المكان ولا تقوي قدماهم علي جرهم وساترهم رمال الصحراء وبعض الأحجار المتفرقه ٠

ربما كان حلم أحدهم أن يشتري ملابس أنيقة، أو ساعة تزيّن معصمه، يعود بها إلى رفاقه، فيجلس بينهم مزهوًا بما حققته يداه بعد طول عناء. وربما كان أحدهم يسابق الزمن ليُكمل فرحة أخته، فتتباهى بين قريناتها بفستان طالما حلمت بارتدائه. وربما كان بينهم من وعد أمه بأن يحملها يومًا إلى بيت الله الحرام، بعدما أنهكتها الحرب، وأرهقها النزوح من مدينة إلى أخرى، وهي تبحث عن مأمن لها ولأطفالها الصغار.

لم يكونوا مجرد عمال في منجم، ولم يكونوا أرقامًا تُضاف إلى قوائم الضحايا؛ كانوا أبناءً تنتظرهم الأمهات، وإخوةً تتعلق بهم أحلام اخوتهن ، وآباءً ربما تركوا خلفهم أطفالًا ينتظرون عودتهم، وبيوتًا صغيرة كانت تستمد أملها من تعبهم وصبرهم.

لكن الستار أُسدل فجأة على أحلامهم، وانطفأت شموع الأمل في قلوب أمهاتهم، وتحوّلت الوعود التي حملوها معهم إلى وجعٍ مفتوح وأسئلةٍ لا تجد إجابة. هناك أمٌّ ستظل تنتظر، وأختٌ لن ترتدي الفستان الذي كان أخوها يحلم بإهدائه إليها، وطفلٌ قد يكبر وهو يسأل عن أبٍ لن يعود.

أيُّ ذنبٍ اقترفوه سوى أنهم خرجوا يبحثون عن لقمة العيش في وطنٍ أنهكته الحرب، وضاقت فيه سبل الحياة؟ ومن يعيد إلى هذه الأسر ما فقدته، ومن يمنح الأمهات حقهن في معرفة الحقيقة والعدالة؟

إنهم لم يحملوا أحلامًا كبيرة؛ أرادوا حياةً كريمة، وعودةً آمنة، وفرحةً صغيرة تُنسيهم قسوة الأيام. لكن أحلامهم تحوّلت إلى وجعٍ يسكن ذاكرة أسرهم، وبقيت المأساة شاهدًا على واقع لا يجوز أن يمرّ بصمت، وعلى وطنٍ ينبغي أن تكون فيه حياة الإنسان أغلى من كل المصالح والحسابات.

ومن هذا الوجع الإنساني تبدأ الحكاية الأوسع؛ حكاية السيادة المفقودة، ومسؤولية الدولة، وصمت الحكومة أمام دماء مواطنيها. فحين يصبح البحث عن لقمة العيش محفوفًا بالموت، وحين تنتظر الأسر أبناءها ولن يعودوا، لا يكون الأمر مجرد مأساة فردية، بل يصبح قضية رأى تمسّ جوهر الدولة وواجباتها تجاه شعبها.

هذا وان كانت هناك دولة ٠

تتوالى الأحداث والاعتداءات التي تطال السيادة السودانية وأرواح مواطنيها، لتطرح تساؤلات عميقة حول قدرة إدارة البلاد الحالية، وتحديدًا حكومة البرهان، على حماية السودانيين وصون حقوقهم. ولعل ما أُثير بشأن الأحداث الأخيرة في منطقة العقيدات ومنجمها الذي يقصده آلاف المعدّنين السودانيين بحثًا عن لقمة العيش، يمثل واحدة من القضايا التي تستوجب الوقوف عندها طويلًا، والتحقق من ملابساتها، وكشف حجم الخسائر، وتوضيح ما حدث للرأي العام، بدلًا من ترك أسر الضحايا والمواطنين أسرى للقلق والتساؤلات.

إن السؤال المشروع الذي يفرض نفسه بقوة في الشارع السوداني اليوم يتعلق بطبيعة الأوضاع الأمنية في المناطق الحدودية ومراكز التعدين، وبمدى قدرة الدولة على بسط سلطتها وحماية أرواح العاملين فيها. هل أصبحت بعض هذه المناطق عرضة للاعتداءات دون حماية كافية؟ وكيف يمكن ضمان سلامة المواطنين الذين يغامرون بحياتهم في ظروف اقتصادية وأمنية بالغة القسوة؟ ولماذا لا يجد المواطن، في أوقات الأزمات، معلومات رسمية واضحة تشرح ما حدث، وتحدد المسؤوليات، وتكشف الإجراءات المتخذة لمنع تكرار المأساة؟

إن تكرار الحوادث الأمنية في مناطق متفرقة من البلاد، سواء في الشمال أو الشرق أو في مراكز التعدين، يضع مسألة حماية المواطنين في صدارة الأولويات الوطنية. كما يفرض على مؤسسات الدولة مسؤولية مراجعة التدابير الأمنية، والتحقيق في أي تقصير محتمل، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون. أما غياب المعلومات أو تأخر التوضيحات الرسمية، فيفتح الباب أمام الشائعات والتأويلات، ويزيد من فقدان الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

ومن هنا، تبرز تساؤلات حول حقيقة الأوضاع السيادية في بعض المناطق، وحول ما إذا كانت هناك ثغرات أمنية أو ترتيبات تحتاج إلى مراجعة جادة وشفافة. وهي تساؤلات لا يجوز تحويلها إلى اتهامات قاطعة دون أدلة، لكنها في الوقت نفسه لا ينبغي أن تُهمَل أو تُقابَل بالتجاهل؛ فمن حق المواطنين معرفة ما يجري على أرضهم، ومن واجب الدولة تقديم إجابات واضحة تستند إلى الحقائق.

لقد أصبح الحديث عن السيادة والكرامة الوطنية بحاجة إلى ما يترجمه على أرض الواقع. فالسيادة ليست مجرد كلمات تُقال في الخطب، ولا شعارات تُرفع في المناسبات؛ إنها مسؤولية يومية تبدأ من حماية حياة المواطن، وتأمين الحدود، وصون الموارد الوطنية، وضمان ألا يصبح السعي إلى الرزق مغامرة محفوفة بالموت. وهيبة الدولة لا تُقاس بقدرتها على إعلان المواقف وحدها، بل بقدرتها على حماية الناس، والاستجابة لمخاوفهم، وكشف الحقائق حين تقع المآسي.

إن أي تقصير في واجب حماية المواطنين يستوجب المساءلة والتصحيح، وتتحمل مؤسسات الدولة مسؤوليتها القانونية والأخلاقية في حدود اختصاصاتها وما تثبته التحقيقات. أما ترك أسر الضحايا دون معلومات كافية، أو تجاهل مطالبها بالإنصاف، فلا يؤدي إلا إلى تعميق الجراح وإضعاف الثقة في المؤسسات التي يُفترض أن تكون ملاذًا للمواطن في أوقات الخطر.

 

والأخطر من فقدان الأرواح أن تتحول المأساة إلى خبر عابر، وأن تُطوى صفحات الضحايا قبل معرفة الحقيقة، وأن تصبح دماء السودانيين مادة للنقاش السياسي دون أن تترجم المطالب إلى تحقيقات شفافة وإجراءات عادلة. فخلف كل ضحية أسرة لها الحق في معرفة ما حدث، وخلف كل مأساة أسئلة تستحق إجابات، وخلف كل تقصير محتمل مسؤولية يجب ألا تضيع في متاهات الصمت والتبرير.

إن مسؤولية الحكومة لا تقتصر على إصدار البيانات بعد وقوع الكوارث، بل تشمل الوقاية منها، وحماية المواطنين في مناطق العمل والإنتاج، والاستجابة السريعة للحوادث، وإطلاع الرأي العام على المعلومات الموثوقة. كما تشمل توفير سبل الإنصاف لأسر الضحايا، ومراجعة أوجه القصور، والعمل على منع تكرار المآسي التي تحصد أرواح السودانيين وتضاعف معاناتهم في بلد أنهكته الحرب.

عجزت حكومة البرهان عن توفير الخبز ٠والأمن والكرامة لمواطنيها٠ فلا عجبا ان استباحت مصر السودانيين داخل مصر وتتطاولت عليهم في حرم حدود الشمال٠

كما قال المثل ”كان سمت ابوك بتلقي البشتري “(سمت بضم السين بمعني العرض للبيع )وما ارخص المواطن السوداني في سوق الاخوان المسلمين هذه الايام٠

وما معنى هيبة الدولة إذا ظلت أسر الضحايا تنتظر إجابة، وبقي حقها في معرفة الحقيقة والعدالة معلّقًا؟ وأي مستقبل يمكن أن ينتظره وطن يضطر أبناؤه إلى مغادرة بيوتهم هربًا من الحرب، ثم يواجهون مخاطر جديدة وهم يبحثون عن لقمة العيش؟

إن دم المعدّنين ليس تفصيلًا عابرًا في سجل الأحداث، وأرواح السودانيين ليست هامشًا في مسرح السياسة. هؤلاء بشر كانت لهم أحلام بسيطة، ووعود قطعوها لأمهاتهم وأخواتهم وأطفالهم، وآمال في العودة إلى بيوتهم بما يسند أسرهم ويمنحها فرصة للحياة. وحين تنطفئ هذه الأحلام، لا ينبغي أن يكون الصمت هو الرد، ولا النسيان هو المصير.

قد لا تعيد العدالة من رحلوا، لكنها تحفظ كرامتهم، وتصون حقوقهم، وتمنح ذويهم حقهم في الحقيقة والمحاسبة، وتؤسس لمنع تكرار المأساة. ولهذا، فإن المطالبة بتحقيق شفاف، وإعلان نتائج واضحة، ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات أو تقصير يثبت وقوعه، ليست ترفًا سياسيًا، بل واجب وطني وأخلاقي.

هيبة الدولة تبدأ من حماية الإنسان، والسيادة الحقيقية تُقاس بقدرة الوطن على صون أرواح أبنائه وأرضه وحقوقهم. أما العدالة للضحايا فليست مِنّة من حاكم، بل حق أصيل لا ينبغي أن يسقط بالتقادم أو يضيع في صمت المؤسسات.

وستظل الأسئلة قائمة ما دامت الحقيقة غائبة، وما دامت الأسر تنتظر، وما دام المواطن السوداني يتطلع إلى وطن يجد فيه الأمان والكرامة، ولا يخشى فيه أن يتحول حلمه البسيط بحياة أفضل إلى حكاية فقدٍ ووجعٍ لا تنتهي.

علي هامش الوجع ٠٠٠

 

تسلم البرهان امس أوراق اعتماد السفير المصري ٠بألاضافه الي إدانة هجمات الحوثيين في بيان ٠

[خلت راجلها ممدود ومشت تعزي في محمود]

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!