
سهيبه مريش
من بين كل الوزارات السيادية التي تشكّل هيكل الدولة الحديثة، تبقى وزارة الإعلام هي القلب الذي يضخّ الوعي في شرايين الوطن، والعقل الذي يصوغ صورته أمام شعبه والعالم. فهي ليست مجرد جهاز إداري، بل ذراع الدولة الناطقة، وحارس هويتها، ومرآة وجدانها الجمعي.
لقد أثبتت التجارب في العالم أن الإعلام حين يكون مهنيًا ومسؤولًا، فإنه يُحدث فارقًا لا يقل أهمية عن قرارات الأمن والاقتصاد والسياسة الخارجية.
إنّ أهمية وزارة الإعلام لا تنحصر في إدارة الأخبار والبيانات، بل تمتد لتشمل تعزيز الهوية الوطنية والثقافية، والترويج للقيم الجامعة التي تصنع الانتماء والاعتزاز بالوطن. فالإعلام القوي هو الذي يربط بين المواطن وحكومته، وينقل الحقيقة كما هي دون تزييف أو تهويل، وهو الذي يعبّر عن نبض الشارع ويعكس صورة البلد في الخارج بموضوعية ومسؤولية.
وفي السياق ذاته، تظل هذه الوزارة هي المعنيّة بمراقبة المحتوى الإعلامي وضمان توافقه مع القوانين واللوائح، مع احترام حرية التعبير التي تمثل جوهر أي نظام ديمقراطي راشد. فهي حلقة الوصل بين الدولة والمجتمع، وبين الحكومة والرأي العام، ومن خلالها تتبلور صورة الوطن في أذهان مواطنيه والعالم.
ومن المعروف أن الدول المتقدمة تولي وزارة الإعلام أهمية قصوى، لأنها تدرك أن بناء الصورة الذهنية الإيجابية جزء من الأمن القومي نفسه. فنجاح الإعلام يعني نجاح الدبلوماسية، والسياحة، والاستثمار، والتنمية الاقتصادية. إن البرامج الإعلامية الوطنية ليست مجرد ترفٍ ثقافي، بل هي أدوات حيوية لصناعة الرأي العام وتحفيز الإنتاج والإبداع.
ومن هذا المنطلق، كان الأمل كبيرًا أن تولد وزارة الإعلام باكرًا ضمن تشكيل حكومة التأسيس، نظرًا لهشاشة الوضع الراهن وحساسيته. فمنذ اندلاع الحرب في الخامس عشر من أبريل، يعيش السودان حالة غير مسبوقة من الاضطراب الإعلامي والتشويش المتعمد، إذ أطلقت آلة الفلول الإعلامية حملات تضليلية ضخمة تستهدف وعي المواطن السوداني وتشوّه صورة الحكومة أمام المجتمع الدولي.
لقد أدرك أعداء الوطن أن الحرب على الوعي أخطر من الحرب على الأرض، فبدأوا يسوّقون الأكاذيب عبر مقاطع مصوّرة وفيديوهات مفبركة وصورٍ مجتزأة، يصوغون بها سرديات زائفة عن الواقع الميداني والسياسي، مستغلين غياب صوت الدولة الرسمي الموثوق. ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة لتعيين وزير للإعلام اليوم قبل الغد، ليقود هذه المعركة الحيوية بوعي وحنكة وخبرة سياسية وإعلامية.
ففي مثل هذه الظروف الاستثنائية، لا يمكن ترك المجال مفتوحًا للعشوائية أو الارتجال. نحتاج إلى وزير إعلام يمتلك رؤية وطنية شاملة، يدرك طبيعة المعركة القائمة، ويستطيع أن يوحّد الخطاب الرسمي للحكومة، وينشئ مؤسسات إعلامية قادرة على مواجهة التضليل الدولي، والتواصل الإيجابي مع وكالات الأنباء والقنوات العالمية.
ليس المطلوب من وزير الإعلام أن يكون مذيعًا أو متحدثًا رسميًا فحسب، بل أن يكون مهندسًا استراتيجيًا لإدارة الوعي الوطني، يقود خطة شاملة لإعادة بناء الثقة بين المواطن والإعلام الرسمي، وإطلاق برامج تثقيفية وتوعوية تعيد الاعتبار للقيم الوطنية، وتحمي الجبهة الداخلية من الانقسام والخذلان.
إنّ حكومة التأسيس، بقيادة ابن الهامش والرجل الفطن الذي يواجه بشجاعة تحديات الحرب والسياسة معًا، مطالبة اليوم بأن تُسند هذه الحقيبة إلى شخصية مؤهلة وقادرة على النهوض بمسؤوليتها التاريخية. فالإعلام في هذه المرحلة ليس ترفًا إداريًا، بل ضرورة وجودية تمس أمن البلاد واستقرارها وصورتها أمام العالم.
ولأن الكلمة قد توازي الرصاصة أثرًا وأخطر منها وقعًا، فإن السودان اليوم في أمسّ الحاجة إلى صوتٍ رسميٍ صادقٍ وفاعل، يُعيد ترتيب المشهد، ويخاطب الضمير الجمعي للأمة بلسان الحقيقة لا الدعاية.
إنّنا لا ننتظر فقط تعيين وزير للإعلام، بل ننتظر ميلاد رؤية إعلامية وطنية جديدة، تحمي الوعي، وتدافع عن الحقيقة، وتكون حائط الصد الأول أمام حملات التشويه والتضليل.
فالإعلام، إن صمت، يتكلم الآخرون بلسانه، وإن غاب، حضر الزيف مكانه.




