السعودية والسودان… اختلاف المعايير في زمن الحرب

سيبويه يوسف
لماذا تغيّرت نظرة السعودية إلى قوات الدعم السريع؟ وهل نحن أمام تبدّل في الموقف أم إعادة تعريف للمصالح؟
المفارقة لافتة: قوات الدعم السريع التي شاركت إلى جانب التحالف العربي ودفعت دماء عزيزة في حرب اليمن، أصبحت اليوم هدفاً لإدانة سعودية صريحة. وفي جلسة مجلس الأمن الأخيرة، أدانت الرياض هجمات الدعم السريع على المدنيين، وربطت استقرار السودان بوحدة الدولة ومؤسساتها. وبل وصفتها بالمليشيا رغم وجود قوات تقاتل الان بجانب الجيش السعودي!
لكن المسألة أبعد من «ازدواجية المعايير». فالدعم السريع الذي كان شريكاً عسكرياً في ظرف إقليمي محدد، والرياض تعلم جيدا ان الدعم السريع انشئ بقانون ٢٠١٧ وان انحيازه لارادة الشعب السوداني ضد جماعة الاخوان المسلمين الارهابية ، وأصبح الدعم السريع اليوم قوة مستقلة ذات امتدادات إقليمية، في حرب باتت تهدد استقرار البحر الأحمر نفسه. والسعودية، التي تقود منذ يوليو تحالفاً بحرياً متعدد الجنسيات لحماية الملاحة في البحر الأحمر، لا تستطيع النظر إلى السودان باعتباره ملفاً داخلياً فقط.
من هنا يمكن قراءة التقارب الجديد السعودي مع حكومة الأمر الواقع في بورتسودان . فقد أنشأت الرياض والخرطوم في أغسطس مجلساً للتنسيق، وحددت الخرطوم الأمن والدفاع والاقتصاد والبحر الأحمر ضمن أولوياته. كما يأتي ذلك متزامناً مع اتفاق مكة الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان، ومع تقارير عن تعاون عسكري وتسليحي تركي–سوداني.
وتدخل هنا عوامل أخرى: مخاوف السعودية من تمدد النفوذ الإيراني في السودان، والاتهامات الموجهة إلى التيار الإسلامي داخل مؤسسات الدولة السودانية، وهي اتهامات عززتها مواقف أمريكية حديثة؛ فضلاً عن القلق من تمدد النفوذ التركي في الموانئ السودانية، والتنافس السعودي–الإماراتي على النفوذ في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
أما مستقبل علاقة الرياض بالدعم السريع، فيبدو أقرب إلى القطيعة السياسية منه إلى الشراكة العسكرية القديمة. فالسعودية قد تحتفظ بقنوات اتصال ضرورية للوساطة، لكنها تبدو أكثر ميلاً إلى دعم دولة سودانية موحدة، وجيش نظامي قادر على حماية ساحل البحر الأحمر، ومنع تحوّل السودان إلى منصة نفوذ لقوى إقليمية منافسة. بجانب المتاخمة التي يجمع بينها امن البحر الأحمر ونشاط الحوثيين الفاعل بما يهدد الملاحة البحرية
وهنا تكمن خلاصة التحول: لم تتغير السعودية لأن الدعم السريع تغيّر وحده؛ بل لأن قيمة السودان الاستراتيجية في الحساب السعودي تغيّرت. وبالتأكيد ان قوات الدعم السريع سوف تعيد ترتيب الأوراق بعد ان أصبحت الرياض حليفا لتحالف بورتسودان بالتالي تصبح غير مؤهلة اخلاقياً للتوسط في الأزمة السودانية ، بما يعني ان مبادرة جدة تم نسفها بالكامل بعد الموقف الجديد للمملكة العربية السعودية




