رأي

الكومة الصمود ومليط الدبلة.. نوق الفرح تعانق فجر التحرير  

عبدالله جمعة النور .. يكتب من الفاشر

 

 عبدالله جمعة النور… من الفاشر 

في لحظةٍ بدت وكأنها استعادةٌ لروح التاريخ، ارتفعت الزغاريد في سماء الكومة ومليط، وتهافتت الوفود محملةً بالنوق والعصافير، ترمز لفرحٍ طال انتظاره بتحرير الفاشر، حاضرة إقليم دارفور، من براثن الفتنة وأصوات الحرب. كان المشهد استثنائيًا بكل تفاصيله، إذ تدفقت الجماهير في مسيراتٍ حاشدة، تجسد عمق الانتماء، وتترجم صبر السنين إلى بهجة النصر.

لم تكن تلك المسيرات دعوةً من جهة أو حشداً منظماً، بل كانت خروجاً تلقائياً من قلب المعاناة. فقد ذاقت الكومة ومليط مرارة القصف العشوائي، وعانت مجتمعاتهما من سياسة الأرض المحروقة التي استهدفت الحواضن الاجتماعية الداعمة لقوات الدعم السريع، في محاولةٍ لكسر إرادة الناس وتشويه صمودهم. ومع ذلك، بقيت هذه المناطق على عهدها، تحتضن أبناءها وتحمي ترابها، وتؤمن بأن الحق لا يُقهر، وأن إرادة الشعوب لا تنكسر.

لقد دفع المواطنون هناك ثمناً باهظاً؛ شهداء من النساء والأطفال والعجزة، وتدميراً لمصادر المياه والثروة الحيوانية والغطاء النباتي. لكن ما لم يُدركه من أرادوا إخضاع دارفور بالنار، أن جذوة الكرامة لا تُطفأ بالقصف، وأن روح البادية أقوى من الحديد والنار. فالذين تربّوا على الكرم والنخوة والمروءة لا يعرفون الهزيمة، بل يجعلون من الألم وقوداً للاستمرار.

اليوم، حين يرفع أبناء الكومة ومليط رايات النصر فوق تراب الفاشر، فإنهم لا يحتفلون بتحرير مدينةٍ فحسب، بل يحتفلون بانتصار الوعي والكرامة والإرادة. إنهم يُعيدون كتابة صفحة جديدة في تاريخ دارفور، صفحة تروي كيف انتصرت الإرادة الشعبية على آلة الدمار، وكيف أثبتت المجتمعات الريفية أنها قلب السودان النابض، وحارسة قيمه الأصيلة.

ليس غريباً أن تتدافع هذه المكونات الاجتماعية نحو الفاشر كما تدافعت جموع الأجداد في كرري وأم دبيكرات وشيكان. فالتاريخ يعيد نفسه حين تشتد الخطوب، وأبناء البادية، الذين قال فيهم الشاعر: “رعي الرحمن أهلك ما أقاموا ومارحلوا، وحياك الغمام”، ظلوا على عهدهم، يسيرون حيث تناديهم الأرض، يحمونها بصدورهم، ويزينونها بوفائهم.

إنّ تحرير الفاشر لم يكن مجرد انتصار عسكري، بل رمزٌ لتحولٍ كبير في وجدان دارفور، التي أبت أن تكون ساحةً للوصاية أو الفوضى. لقد أرسلت الكومة ومليط برسالةٍ واضحة: أن وحدة الأرض والكرامة الوطنية ليست شعارات، بل عقيدة تُروى بالعرق والتضحيات. وأن من يقف خلف مشروع الدولة والسلام، إنما يدافع عن مستقبل أجيالٍ لم تولد بعد.

وفي خضم هذا الفرح الممزوج بالعزة، ارتسمت صورٌ لا تُنسى: نساء يوزعن اللبن والتمر على المارة، شيوخ يرفعون الأكف بالدعاء، وأطفال يلوّحون برايات النصر. إنها احتفالات الوعي أكثر من احتفالات النصر، لأنها تعبّر عن عمق الإيمان بأن دارفور تستحق السلام، وأن السودان لا يُبنى إلا بسواعد أبنائه المخلصين.

هكذا تعود الفاشر إلى أهلها، وتعود البسمة إلى وجوهٍ أنهكتها المآسي، ويعود الأمل إلى القلوب التي لم تيأس يوماً. فهذه لحظة انتصارٍ للثبات والصبر، وللشعب الذي اختار أن يصنع مستقبله بيده لا بأيدي الآخرين.

ولأن التاريخ لا ينسى، فإن أسماء الكومة ومليط ستظل محفورةً في ذاكرة الوطن كرمزين للصمود والإيمان، وكشاهدين على أن الحق مهما طال ليله، ففجره قادم.

سلامٌ على دارفور وهي تنهض من رماد الحرب لتستقبل فجرها الجديد، وسلامٌ على كل من حمل همَّ الوطن في قلبه قبل سلاحه، وسلامٌ على الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

دامت دارفور حرّةً، ودام السودان وطناً يليق بتضحيات أبنائه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!