رأي

دفارات الاستنفار والخدمة العسكرية الإجباريّة: خمرةٌ قديمة في قناني جديدة

عباس احمد السخي

 

عباس أحمد السخي

بعد انهيار قواتها في الفاشر ومحاور كردفان، يطلّ علينا الاخوان المسلمين من جديد بنغمة “الاستنفار العام” و“الخدمة الإجباريّة” كما لو كانت اكتشافًا وطنيًا حديثًا، بينما هي في الحقيقة خمرةٌ قديمة صُبّت في قناني جديدة. فالدعوة إلى تسليح الشارع وحشد الشباب في خنادق الموت ليست إلا تكرارًا مريرًا لصفحاتٍ سوداء من تاريخ السودان، حيث جُعلت الحرب مشروعًا مقدّسًا، والدم وقودًا لحساباتٍ حزبيّة ضيقة.

أولًا: الاستنفار… وقودٌ لإشعال الصراع لا لإخماده

من يظن أن دعوات التعبئة الشعبية تُنقذ الوطن، لا يدرك أن الاستنفار هو أول مسمار في نعش السلم الأهلي. فحين يتحوّل الحيّ والقرية إلى ثكنة، وتُقدَّم البنادق بدل الكتب، يتحوّل الشعب من طاقة بناء إلى مادة للاستهلاك في حربٍ لا يعرف متى تنتهي. إن التعبئة لا تحسم صراعًا، بل تزرع ألف صراعٍ جديد، وتمكّن أمراء الحرب من إطالة أمد المأساة ليبنوا فوق الخراب عروشهم الصغيرة.

ثانيًا: تجارب الماضي… حين اقتيد الشباب إلى الجحيم

لقد جرّب السودان من قبل هذا المسار الكارثي، حين حشد الإخوان المسلمون آلاف الشباب باسم الجهاد والدفاع عن العقيدة والوطن. اقتيد أولئك الفتية إلى محارق الجنوب، حيث التهمتهم نيران الحرب، وعاد من نجا منهم بعاهاتٍ جسدية ونفسية لا تُشفى. آلاف المفقودين لا يزالون مجهولي المصير، وآلاف المعوقين يمثلون اليوم جرحًا مفتوحًا في ضمير الأمة. تلك ليست “ذكريات نضال”، بل سجلٌّ دامٍ لجريمةٍ باسم الدين والوطن.

ثالثًا: مأساةٌ لا تزال تنزف

حتى اليوم، ما زالت آثار تلك الحروب القديمة تُثقل كاهل السودان. أمهاتٌ ينتظرن أبناءً لن يعودوا، أسرٌ مكلومة فقدت المعيل، شبابٌ أُعاقوا جسديًا ونفسيًا، وأجيالٌ ترثُ الفقر والحزن معًا. تلك هي الفاتورة الحقيقية للحروب التي تُدار بالعاطفة وتُسوّق بالشعارات. إنها ليست “أخطاء الماضي” فحسب، بل مآسٍ مستمرة، تتكرّر كلما رُفع شعار التعبئة من جديد.

رابعًا: ازدواجية الإخوان… حربُ الفقراء

ما أشدّ قسوة أن ترى الذين يدعون إلى الحرب بأصواتٍ مرتفعة، انهم يرسلون أبناءهم إلى الجامعات في أنقرة والدوحة وكوالالمبور! أولئك الذين يرفضون الهدنة الأمريكية ويتشدقون بـ“الكرامة الوطنية”، يخوضون حربًا لا بدمائهم، بل بدماء الغلابة والمساكين الذين لا يملكون ثمن تذكرة نجاة. يطالبون الفقراء بالموت دفاعًا عن وطنٍ لم يمنحهم سوى الفقر، فيما يعيش أبناؤهم رفاهية المدن البعيدة. إنها مفارقة تفضح زيف الخطاب الإخواني وتكشف جوهره الانتهازي.

خامسًا: الوعي هو سلاح الشعب الحقيقي

اليوم، على الشعب السوداني أن يدرك أن معركته ليست في ساحات القتال، بل في ميادين الوعي والكرامة. من يريد القتال فليذهب بنفسه، لا أن يدفع بأبناء الآخرين إلى الجحيم. آن للشعب أن يرفض ألاعيب الاتجار بالدين والسياسة، وأن يصون أبناءه من أن يكونوا وقودًا لحربٍ عبثية لا ناقة لهم فيها ولا جمل. الوطن لا يُحمى بالدماء المسفوكة في معارك الوكالة، بل بالحكمة، بالعدل، وبالإصرار على بناء السلام.

خاتمة: لا خلاص في الحرب… ولا كرامة في الموت المجاني

لقد أثبتت التجارب أن الحرب لا تبني وطنًا، بل تسرق المستقبل وتبدّد الأمل. ولذلك الدعوة إلى الاستنفار ليست وطنية، بل مقامرة بحياة الأبرياء من أجل مشروعٍ انتهازي خاسر. السودان اليوم بحاجةٍ إلى وعيٍ جماعي يرفض تكرار الماضي، وإلى صوتٍ عاقلٍ يعلو فوق طبول الحرب.

فليعلم دعاة الحرب والاستنفار أن الشعب قد وعى الدرس جيدًا، وأنه لن يقدّم أبناءه قرابين على مذبح أطماعٍ حزبية قديمة. فالوطن لا يُبنى بالدبابات، بل بالعقول التي تؤمن أن الحياة – لا الموت – هي أسمى أشكال الدفاع عن الكرامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!