رأي

مثقفو دولة وكلاء الاستعمار.. حين يكتب القلم في هوامش الوعي

ابو عبدالله الراشدي

 

 أبو عبدالله الراشدي

من لم يتحرر في فكره، سيظل عبداً ولو حمل ألف كتاب.

في قلب المشهد الثقافي والسياسي السوداني، يتبدّى مأزق المثقفين الذين تشكّل وعيهم في حضن الدولة النخبوية، دولة “وكلاء الاستعمار” التي أعادت إنتاج منظومة الهيمنة القديمة بثوب وطنيٍّ جديد. هؤلاء المثقفون الذين يرفعون شعارات التنوير والحداثة، يظلون — في جوهرهم — أبناء المناهج المشوّهة التي صُمّمت أصلاً لتخدم مشروع الصفوة، لا مشروع الأمة.

لقد نهل أغلب هؤلاء معارفهم من مناهج مصاغة على مقاس الدولة المركزية، مناهج تتغذى على تصورات عنصرية واستعلائية، وتقوم على تاريخٍ مُزوّرٍ يرفع بعض المجموعات إلى مصاف “السادة”، ويُسقط الآخرين في درك “التابعين”. إنها مناهج لم تُبنَ لتنتج وعياً نقدياً حراً، بل لتُخرّج نُسخاً محسوبة على النظام القائم، تُعيد إنتاجه معرفياً وتبرّره أخلاقياً تحت مسميات “الوحدة الوطنية” أو “الهوية الجامعة”.

حين يكون التعليم أداة ترويض، يصبح المثقف امتداداً لسلطته لا ضميره.

من هنا جاء مثقفو دولة وكلاء الاستعمار وهم يحملون أدوات فكرية ملوّثة بالانحياز. أدوات لا ترى الشعب إلا من خلال عدسة المركز، ولا ترى الهامش إلا كمساحة للتدخل لا كشريك في الوجود. ولأنهم تشكّلوا داخل هذا الإطار، ظلّوا عاجزين عن تخيّل وطنٍ يتجاوز ثنائية السيد والتابع، أو المركز والهامش. فالمواطنة في رؤيتهم ليست حقاً متكافئاً، بل امتيازاً يُمنح من علٍ، وكأنها منحة من النخبة لا استحقاقاً إنسانياً أصيلاً.

هؤلاء المثقفون، رغم ما يبدونه من تمردٍ أو نقدٍ للسلطة، إلا أنهم لا يغادرون حدود المخيال الذي صاغهم. يظلون سجناء الإطار الذي أُنتجوا فيه، يتحدثون بلغة المعارضة بينما يفكرون بذهنية النظام. لذلك تبدو معارضتهم في كثيرٍ من الأحيان مجرد إعادة توزيعٍ للأدوار داخل نفس المنظومة، لا قطيعة معرفية معها. فهم، وإن انتقدوا الأيدي التي تحكم، إلا أنهم لا يمسون البنية التي تُنتج تلك الأيدي.

وهنا تتجلّى المفارقة المأساوية: مثقفٌ يتحدث عن الحرية وهو غارقٌ في أسر المفاهيم التي صنعها المستعمر وتبنّاها الوكيل. مثقفٌ يهاجم السلطة لكنه يشاركها نفس التراتبية الذهنية التي تقسم الناس إلى “نخبٍ راقية” و”عامةٍ دونية”. مثقفٌ يلعن الاستبداد لكنه يمارسه في لغته وفي وعيه حين يختزل الهامش في “آخرٍ يحتاج إلى التهذيب”.

 الاستعمار لا يخرج من الأرض، بل يخرج من العقول أولاً.

إن أخطر ما فعلته النخبة الموروثة من وكلاء الاستعمار ليس فقط أنها احتكرت الدولة، بل أنها احتكرت الحقيقة. فهي التي تحدد من هو المثقف، وما هو الفكر، وما معنى الوطنية. وبهذا تحوّل الفضاء الثقافي إلى مرآةٍ للسلطة السياسية. فالمفاهيم الكبرى — مثل الدولة، الأمة، الهوية، الحداثة — لم تُطرح في سياق وطني حر، بل في سياقٍ موجهٍ لتثبيت الهرمية الاجتماعية والسياسية التي وُلدت مع الاستعمار واستمرت بعده.

من هذا الخلل البنيوي تولّدت أزمة الوعي لدى المثقف السوداني الذي لم يتحرر من البنية المعرفية الموروثة. فهو لا يزال يتحدث بلغة مستعارة، ويُفكر بمنطقٍ استعماري حتى وهو يرفضه. يرى الوطن من زاوية الخرائط لا من زاوية الإنسان. يعالج قضايا الهامش بأدوات المركز، ويبحث عن الحرية في نصوصٍ كتبتها السلطة نفسها.

وهكذا، يصبح المثقف جزءاً من منظومة السيطرة وهو لا يدري. يكتب ضد الطغيان وهو يُعيد إنتاج منطقه في كل عبارة. يتحدث عن العدالة وهو لا يعترف بوجود “الشعب” خارج إطار النخبة. يطالب بالديمقراطية لكنه يرفض أن يتكلم الفقراء بلغتهم أو أن يكونوا شركاء في الوعي. إنه مأزقٌ وجوديٌّ أكثر من كونه موقفاً سياسياً، لأن المثقف هنا يعيش في انفصامٍ بين ما يعلنه وما يؤمن به ضمناً.

لقد آن الأوان لتفكيك هذه البنية المعرفية التي ورثناها عن وكلاء الاستعمار، وإعادة تأسيس فكرٍ وطني ينطلق من واقع الناس لا من قاعات النخبة. فالثقافة التي لا ترى في الإنسان العادي مركزاً للمعنى، ستظل ثقافة طبقية تكرّس الاغتراب وتُنتج التبعية. لا نهضة حقيقية دون إعادة الاعتبار للوعي الشعبي كمصدرٍ للمعرفة، ودون مساءلة المناهج التي أنتجت هذا الخلل البنيوي في الفكر والتعليم والإدارة.

إن المثقف الحقّ ليس من يعارض السلطة فحسب، بل من يثور على البنية التي أنجبتها. لا يكفي أن نغير الحكام إذا ظل العقل الحاكم هو ذاته. فالدولة التي وُلدت من رحم الاستعمار، واستمرّت بأدوات نخبوية منحازة، لا يمكن أن تُعيد بناء نفسها بوعيٍ مستوردٍ منها.

ولذلك فإن معركة التحرر الحقيقية ليست في الشارع فقط، بل في بنية الفكر نفسه. هي معركة ضد المناهج التي قسّمت السودانيين إلى درجاتٍ في الإنسانية، وضد الثقافة التي جعلت من النخبة إلهاً صغيراً يتحدث باسم الوطن.

لقد آن لنا أن نكسر مرآة النخب التي جعلتنا نرى أنفسنا من خلالها، وأن نبني وعياً جديداً يضع الإنسان — كل إنسان — في مركز الفعل والمعنى. فالوطن لا يُبنى بالوصاية، ولا بالخطاب الفوقي، بل بالاعتراف المتبادل والاحترام المشترك.

التحرر يبدأ حين يتعلم المرء أن يرى العالم بعينيه لا بعيني سيده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!