
سليم محمد عبدالله
في رماد الحرب السودانية المتصاعد، تتجلّى مأساة جيلٍ كاملٍ وجد نفسه مصلوباً بين الحياة والموت، لا لذنبٍ سوى أنه وُلد في وطنٍ تُدار فيه المواطنة كصفقة سياسية، وتُقاس فيه الحقوق بميزان الولاء لا الإنسانية. إنها سياسة “الدماء المستعجلة والجواز المعلّق”، التي جعلت من البقاء ترفاً مشروطاً، ومن النجاة امتيازاً يُمنح مقابل توقيعٍ بالدم في حربٍ لم يُشارك أبناؤها في إشعالها، لكنها ابتلعت أحلامهم جميعاً.
الحرب الراهنة لا تُقاتل فيها الجيوش وحدها، بل يُساق فيها المواطن الأعزل ليكون وقوداً لمعركةٍ لا تخصه. وبينما يعيش أبناء النخبة القديمة في منافيهم الذهبية، يدرسون في أرقى الجامعات ويُلقون الخطب عبر الشاشات عن “الوطنية” و”الكرامة”، يُزجّ بأبناء الهامش والمناطق المنسية إلى الجبهات تحت رايات الشعارات الكاذبة. التفاوت هنا ليس صدفة ولا قَدَراً، بل هو تطبيق صارخ لاستراتيجية “الاستثمار في العوز”، التي حولت الفقر إلى مادة خام للحرب، وحولت الهامش إلى خزان بشري لمعارك تُخاض لحماية امتيازات فئةٍ قليلةٍ ترفض أن تغادر المسرح.
لقد تحوّلت المؤسسة العسكرية السودانية، التي كانت رمزاً للهيبة الوطنية، إلى “حرسٍ إمبراطوري” يحرس مصالح الأيديولوجيا لا مصالح الوطن. جرى تفريغها من رسالتها، وتسييسها حتى النخاع، فغابت عنها المهنية وتحوّلت إلى ذراعٍ اقتصادية وسياسية لحماية السلطة. وحين جاء الامتحان الحقيقي، سقطت الأقنعة، وانكشفت هشاشة البناء، فاختبأ القادة خلف الشعارات بينما دُفع المواطنون إلى الموت باسم “حرب الكرامة”. إنها كرامة مستعارة لا تُنقذ وطناً، بل تُنقذ جماعةً حاكمة من سقوطٍ محتوم.
في ذروة هذا العبث، انبثقت سياسة أكثر قسوة: “وثيقة العبور مقابل وثيقة الموت”. أصبح الجواز، الذي يُفترض أن يكون رمز المواطنة وحق الحياة، سلاحاً بيروقراطياً في يد الأجهزة الأمنية. من أراد السفر والنجاة، طُلب منه أن يُثبت ولاءه، أو أن يُستنفَر ليقاتل. هكذا تحوّل الجواز من وثيقة مدنية إلى تصريحٍ مؤقتٍ بالحياة، تُمنح لمن يقبل بالموت. في هذا الوطن المعكوس، يُعاقَب من يسعى للسلام ويُكافأ من يشارك في الحرب، ويُختزل الولاء في صورةٍ أمام معسكرٍ أو مقطعٍ صوتيٍ يردد الشعار المطلوب.
المواطنة في السودان لم تعد هويةً ثابتة، بل لعبة هويةٍ متحركة تُحدَّد بوظيفة الفرد في الحرب. المواطن العادي يُعامل كمتفرجٍ بلا حق، والمستنفَر يتحول إلى كائنٍ عسكريٍ مُستهلك تُعلّق حقوقه حتى يعود جثةً أو أسيراً، أما الأسير فلا تُستعاد له إنسانيته إلا حين يُستخدم جسده لتغذية الخطاب التحريضي وتمديد عمر الصراع. هكذا تُختزل الإنسانية في القيمة الدعائية، ويتحوّل الإنسان إلى سلعةٍ في سوق السياسة.
لكن وسط هذا الخراب، ينهض وعيٌ جديد. وعيٌ يدرك أن الوطنية الحقة ليست في القتال من أجل بقاء الفاسدين، ولا في الموت دفاعاً عن مشروعٍ أيديولوجيٍ مفلس. الوطنية اليوم هي أن ترفض أن تُستغل حياتك كذخيرةٍ في معركةٍ لا تخصك، وأن تُصر على حقك في الحياة والكرامة والجواز الآمن دون ثمنٍ دموي. فالسودان لن يُبنى على جوازٍ معلّقٍ ولا على دماءٍ مستعجلة، بل على وعيٍ يرفض أن تكون الحرية امتيازاً يُمنح أو يُسحب.
إن أعظم فعلٍ وطني اليوم ليس في حمل السلاح، بل في حمل الوعي. الوعي بأن الحياة ليست خيانة، وأن الخروج من دائرة الدم ليس فراراً بل خلاصاً. فالوطن الذي يطالب أبناءه بالموت ليبقى، وطنٌ يحتاج إلى إعادة تعريف، لا إلى مزيدٍ من الشهداء. لقد آن للسودانيين أن يفكّوا وثاق الابتزاز، وأن يكتبوا جوازهم الجديد بمداد الوعي لا بالدم.




