
د.اخلاص قرنق
في الحروب، تسقط الأقنعة قبل أن تسقط المدن.
وتنكشف التناقضات عندما يصبح الدم السوداني مجرد وقود لخطابات الكراهية والشعارات الجوفاء.
منذ اندلاع الحرب في السودان، ظل قائد الجيش يردد عبارته الشهيرة: “لن نتفاوض مع الجنجويد حتى آخر جنجويدي.”
عبارة صاخبة تم تسويقها باعتبارها موقفاً أخلاقياً وحاسماً، بينما كانت الحقيقة على الأرض تسير في اتجاه آخر تماماً.
ها هو اليوم يستقبل قادة الدعم السريع المنشقين بالأحضان، ويمنحهم المنابر والرتب والشرعية السياسية والعسكرية.
اللواء النور قبة، الذي تتهمه أصوات كثيرة بالمشاركة في حصار الفاشر وسقوط آلاف الضحايا الأبرياء، أصبح مرحباً به فور انشقاقه.
وعلي رزق الله “السافنا” وجد هو الآخر مكانه داخل معسكر البرهان بعد أن كان جزءاً من ذات القوة التي وُصفت بأنها “عدو لا تفاوض معه”.
وقبلهم بقال وآخرون.
إذاً، أين انتهى شعار “حتى آخر جنجويدي”؟
هل تغيرت المبادئ فجأة؟
أم أن المشكلة لم تكن يوماً في الأشخاص، بل في الصراع على السلطة والنفوذ؟
المفارقة المؤلمة أن الحرب التي التهمت أرواح السودانيين ودمرت المدن وشردت الملايين، كان يمكن اختصار كثير من مآسيها لو توفرت إرادة سياسية حقيقية للسلام.
فإذا كان بالإمكان العفو عن القادة المنشقين واستقبالهم وتبييض صفحاتهم بمجرد تغيير مواقعهم، فما الذي يمنع إصدار عفو عام شامل يفتح الباب لوقف الحرب كلها؟
أين مراعاة حقوق المواطنين في الأمن والسلام والعيش الكريم؟
ماذا فعلت السلطة لأجل ملايين اللاجئين في معسكرات دول الجوار الذين افترشوا الأرض والتحفوا المعاناة؟
ماذا قدمت للأطفال الذين انقطعت بهم سبل التعليم وأصبحت المدارس بالنسبة لهم ذكرى بعيدة؟
أين المستشفيات والعلاج والدواء؟
أين الكهرباء والمياه النظيفة؟
وأين حماية المواطن من الغلاء الذي سحق الناس حتى صار الحصول على أبسط مقومات الحياة معركة يومية؟
في الوقت الذي يموت فيه المواطن المغلوب على أمره قهراً وجوعاً ونزوحاً، تُمنح الامتيازات والعربات الفارهة والمكافآت السياسية للمنشقين من باب المكايدات وكسب الولاءات.
وكأن الوطن أصبح ساحة صفقات، لا دولة تبحث عن إنقاذ شعبها.
أي رسالة تصل إلى المواطن حين يرى المسؤولين يتصارعون على النفوذ بينما الناس يبحثون عن رغيف الخبز وجرعة الدواء؟
وأي وطن يُبنى فوق أنقاض الكرامة الإنسانية؟
إن استمرار الحرب لم يعد يبدو معركة من أجل الوطن، بقدر ما أصبح معركة لإطالة عمر السلطة وتبادل الأدوار فوق جثث الأبرياء.
والمواطن السوداني وحده من يدفع الثمن:
النزوح، الفقد، الجوع، الخوف، وضياع المستقبل.
إن أكثر ما يُسقط القادة ليس الهزيمة العسكرية، بل سقوط الخطاب الأخلاقي.
وحين تتحول الشعارات إلى أدوات انتقائية، يفقد الناس ثقتهم في كل شيء.
السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الخطب النارية، بل يحتاج إلى شجاعة الاعتراف بأن الحرب وصلت إلى طريق مسدود، وأن السلام ـ مهما كان مؤلماً ـ أقل كلفة من وطن يحترق كل يوم.
وفي النهاية، قد يهرب الجميع من محاكم الدنيا، لكن تبقى الحقيقة الكبرى التي لا مهرب منها:
عند الله تجتمع الخصوم




