
سلــيم مـحمــد عبـداللـه
في المشــهد الســوداني الراهن، تتجلى أزمة عميقة تتجاوز مجرد الصراع العسكري والسياسي لتصل إلى أزمة عقلية وإدارية حقيقية. فالسلطة الانقلابية لا تعمل وفق رؤية وطنية، بل تُدار كآلة تنفيذية لعقلية مأجورة، تحاول إعادة إنتاج الدولة عبر وصاية خارجية وأجندات قديمة، بينما يُستنزف المواطن تحت شعارات التعبئة والاستنفار
الخطاب العسكري اليوم يزدحم بالوطنية والكرامــة والشرف، لكنه في جوهره أداة لتغطية العجز والفشل . فكل نداء للاستنفار ليس سوى وسيلة لتثبيت سلطة عاجزة عن إدارة السلام وتحقيق التنمية. أما المواطنون الذين يُستدعون لحماية الوطن، فإنهم يُدفعون إلى صراعات لا يفهمون دوافعها، في حين تظل القرارات الحاسمة خارج دائرة وعيهم
وراء هذه الصورة، لا يزال الإسلام السياسي المؤثر حاضرًا في المشهد السوداني، إذ تواصل بقايا النظام السابق ممارسة تأثيرها عبر الخطاب الديني والسياسي، لتمنح السلطة العسكرية غطاء شرعيًا يُستخدم لتبرير القمع وإطالة أمد الصراع. ما كان يُسمى النظام الإسلامي، لا يزال يتحرك بذكاء في الظل، ويعيد إنتاج خطاب قديم عبر وجوه جديدة، مستثمراً في الانقسام الشعبي والفوضى المستمرة
تعمل السلطة العسكرية الحالية على إعادة إنتاج تجربة الحكم بالقوة، حيث يُستبدل التفكير بممارسة الطاعة، ويُستبدل المشروع الوطني بالاستمرار في السلطة بأي ثمن. هذه العقلية، التي تعتبر القوة مطلقة، والطاعة واجبة، لا تنتج دولة، بل تحافظ على دائرة الصراع والفشل. الدولة، في هذا السياق، تُختزل في ثكنة، والسياسة في أوامر، والمواطنة في ولاء أعمى
ومن جانب آخر، يشكل التحالف بين العسكر وبقايا الإسلام السياسي أكبر معوق أمام أي مشروع بناء، إذ يعمل كلا الطرفين على إعادة إنتاج واقع مأزوم، قائم على تنفيذ أجندات خارجية، واستغلال الشعارات الوطنية والدينية لتغطية مصالح شخصية وسياسية. تحت هذا الغطاء، تُدار البلاد بلا مشروع وطني، وتستمر دائرة الخراب والفوضى، فيما يظل المواطن العادي رهينة لهذه العقلية المأجورة
أبرز مظاهر هذه العقلية الانقلابية تظهر في الاعتماد على التعبئة والاستنفار، حيث تُستدعى الجماهير باسم الدفاع عن الوطن، بينما تُحوّل هذه الحملات إلى أداة سياسية لتبرير استمرار العجز وفشل الإدارة. فالخطاب العسكري، مدعومًا بخلفية دينية مأجورة، يجعل من الوطن ساحة للصراعات الداخلية، ويحول الشعب إلى أداة لتكريس استمرار السلطة، بدل أن يكون شريكًا في صناعة القرار
الأزمة تكمن أيضًا في أن هذه العقلية العسكرية تعيش خارج الزمان والمكان الحقيقيين للسودان، فهي لا تفهم تعقيدات المشهد المحلي، ولا تعي متطلبات التنمية والحقوق المدنية. كل قرار يُتخذ يفتقر إلى رؤية واضحة، وكل إدارة تُمارس تُضاعف من الانقسام وتزيد من معاناة المواطنين. في الوقت نفسه، يبقى التحالف مع بقايا الإسلاميين كغطاء يتيح للسلطة العسكرية تجنب مواجهة شعبها وإخفاء إخفاقاتها وراء شعارات دينية وسياسية براقة.
ورغم هذا الواقع المأزوم، بدأ الوعي الشعبي السوداني يشق طريقه بين الفوضى والشعارات الكاذبة. فالمواطنون أصبحوا يدركون أن الحرب التي تُدار باسم الدين والسيادة، ليست سوى وسيلة لتثبيت النفوذ والسيطرة، وأن بقاء النظام الانقلابي يعتمد على استمرار التبعية والولاء الأعمى
التحدي الأكبر يكمن في أن السودان اليوم لا يواجه مجرد أزمة سلطة، بل أزمة إدراك ووعي سياسي. فالعقلية الانقلابية، المدعومة ببقايا النظام الإسلامي، ترى في القوة غايــةً، وفي التهديد سياسة، وفي الوطن وسيلة، بينما يفقد الشعب حريته في تقرير مستقبله
لكن التاريخ أثبت أن الإرادة الشعبية والوعي الوطني قادران على تجاوز أقوى أشكال الوصاية والتحكم. فمهما امتدت أي وصاية أو استمر النفوذ الخارجي، فإن الوعي السوداني، حين يتحرر، سيعيد تعريف الوطنية ويؤسس لبناء الدولة التي تُدار بعقل حر وإرادة وطنية، لا بعقل مأجور وأجندات مستوردة
وفي خضم هذه الأزمة، يظل الأمل معقودًا على الشعب، الذي بدأ يرى بوضوح أن الوعي والفعل البناء هما السبيل الوحيد لاستعادة الدولة عبر الانتقال المــدني الديــمقراطــي والحــكم الفدرالــي من يد عقلية لا تفكر إلا في البقاء والسيطرة، ولا تعرف معنى السيادة الوطنية الحقيقية




