
سيبويه يوسف
هبطت طائرة البرهان في الدوحة القطرية، وكالعادة كان في استقباله نائب وزير الخارجية القطري، في أول إشارة دبلوماسية عن موقف الدوحة من حكومة الأمر الواقع في بورتسودان. ورغم التماهي الشعبي والاصطفاف المعلوم، ودعم الجيش المتسق مع موقف التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، ظلت الدوحة داعمة للحرب في السودان بشكل واضح وأخرى خفية، إلا أن الدوحة الرسمية ترسل رسائل دبلوماسية إلى المجتمع الدولي بعدم اعتراف مطلق بالبرهان، وإثبات ذلك بتخفيض مستوى الاستقبال بما يليق بقادة الجيوش أو كبار موظفي الحكومات.
أما البرهان، فقد بات يدرك أكثر أن اللعبة تشارف على النهاية، خاصة أن مساحات المناورة تقلصت كثيرًا بعد أن تحول ملف الحرب السودانية إلى طاولة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، باعتباره مهددًا للأمن القومي الأمريكي، بعد أن تمادت مغامرات الجيش الانقلابي وتقلبات مواقفه بين المحاور الإقليمية والدولية، وعمليات الابتزاز الدبلوماسي التي لجأ إليها تنظيم الإخوان المسلمين بإعادة العلاقات الدبلوماسية مع إيران بعد مقاطعة استمرت لأكثر من ست عشرة سنة، وتوقيع العديد من الاتفاقيات التي تهدد أمن البحر الأحمر، ومن ثم التوجه نحو موسكو، والشروع في منح روسيا قاعدة عسكرية في البحر الأحمر. وتظن حكومة البرهان أن إرث دبلوماسية النظام البائد يمكنها من ابتزاز المحاور المتصارعة في سبيل كسب شرعية تتجاوز بها محنة انقلاب 25 أكتوبر 2021، والعودة من الأبواب الخلفية.
المؤشرات الأولية تؤكد أن البرهان يعتمد على محور يضم القاهرة وأنقرة إلى جانب الدوحة، لمواجهة خطوط الرباعية، بعد أن ضمن تراجعًا في موقف الرياض عقب احتدام الصراع في جنوب اليمن. وبالتالي يسعى البرهان لكسب المزيد من الوقت بعرقلة جهود الرباعية وتحويل الطاولة حتى تضم أطرافًا تخدم مصالح الانقلاب، إلى جانب إعادة صياغة داخلية تؤهله للانفراد بالسلطة بما يحقق أهداف حلفائه أولًا.
الدوحة، التي تضمر شرًا لمواقف سابقة، وخاصة ضد حكومة الثورة، وضد الفريق أول محمد حمدان دقلو قائد قوات الدعم السريع ونائب رئيس المجلس السيادي، عندما أصدر أوامره بعدم هبوط طائرة وزير الخارجية القطري إبان انتصار الثورة السودانية التي أطاحت بنظام الإخوان المسلمين، ظلت الملاذ الأثير لفلول النظام السابق، بل وقدمت لهم إسنادًا إعلاميًا كبيرًا عبر قناة الجزيرة، التي أسقطت أنظمة حكم عربية راسخة في ثورات الربيع العربي، وفشلت في إسقاط الثورة السودانية. كما ظلت الدوحة من الداعمين الأساسيين للجيش في الخفاء، وإن بدت الدبلوماسية القطرية أكثر حذرًا من تقاطعات محتملة مع القاهرة، التي تضمر العداء للدوحة بسبب احتضانها جماعة الإخوان المسلمين المصرية ومنحهم ملاذات آمنة، قبل أن تغرق مصر في فيض الاستثمارات القطرية التي أعادت خطوط الدبلوماسية بين البلدين بشكل حذر.
البرهان يبحث اليوم عن أشرعة جديدة تمكنه من التحليق مجددًا في مغامرة لا تخلو من المخاطر، بعد تصدع جبهته الداخلية وتعقيدات المشهد




