
إيمان التجاني
منذ سنوات طويلة، لم يعد الإعلام في السودان مجرد ناقل للخبر أو وسيط بين الحدث والمتلقي؛ بل تحوّل تدريجياً إلى مؤسسة كاملة لإنتاج الوعي وفق ما تريده القوى المسيطرة، لا وفق ما يقتضيه الواقع أو مصلحة الناس. هذه المنظومة التي نشأت مع الدولة النخبوية التي أعقبت الاستعمار، لم تكن حيادية ولا بريئة، بل كانت جزءاً من بنية السلطة التي أدمنت إعادة إنتاج ذاتها عبر خطاب إعلامي يرسخ الهيمنة ويعيد تشكيل الوعي العام بما يخدم مشروعها السياسي والثقافي.
لقد أدركت النخب القديمة باكراً أن السيطرة العسكرية أو السياسية وحدها لا تكفي، وأن معركة الوعي هي المعركة الأكثر حسماً في تشكيل اتجاهات الناس. ولذلك سخّرت موارد الدولة وأجهزتها لصناعة خطاب يُظهر الجيش في صورة الحامي الوحيد للوطن، بينما يخفي تاريخه الحافل بالانتهاكات، وتجاهله المتكرر لاستغاثة المواطنين في لحظات الشدة، وتورطه العميق في قمع تطلعات السودانيين نحو دولة أكثر عدلاً ومساواة.
ولم تكتف هذه المنظومة بتشويه الواقع داخل الحدود السودانية، بل عملت على بناء امتدادات لها في الفضاء الإعلامي العربي، سواء عبر عناصر تسللت إلى منابر مؤثرة، أو عبر التأثير غير المباشر على سرديات قنوات كبرى. وهكذا أصبحت رواية النخب هي الرواية الرسمية التي يجري تداولها في الشاشات، بينما الحقيقة تُدفن بعيداً عن الأضواء. فالمشاهد العربي لا يرى إلا الصورة التي صُمّمت لتخدم بقاء النظام القديم، وتمنح شرعية زائفة للمؤسسة العسكرية باعتبارها الطرف الذي يمثل “الوطن” في مواجهة خصومه.
ومع اشتداد الحرب الحالية، تكشّف الدور الأخطر لهذه القنوات التي قدّمت نفسها كمنابر مستقلة، بينما كانت في الواقع جزءاً من ماكينة التوجيه السياسي. فقد تعمدت تضخيم أخطاء طرف واحد، وتجاهل جرائم الطرف الآخر، واستثمرت في خلق ما يشبه “الفوبيا الجماعية” تجاه قوات الدعم السريع، دون تقديم سردية مهنية متوازنة أو تغطية موضوعية لتاريخ الجيش وانتهاكاته أو مسار الأحداث على الأرض. وهنا برز أسلوب التضليل الناعم الذي يقدّم نصف الحقيقة، ويحجب النصف الآخر عمداً، ليصل المشاهد إلى استنتاجات صُمّمت مسبقاً.
وتحوّلت “استطلاعات الرأي” التي تبثها هذه القنوات إلى أدوات لإنتاج الوهم. فالعينات المختارة بعناية، والأسئلة المصاغة بتوجيه واضح، تمنح الانطباع بأن الشعب يقف موحداً خلف سردية معينة، بينما الواقع مختلف تماماً. إنها ليست استطلاعات لقياس المزاج العام، بل لفرضه. وهكذا يُصنع الإجماع الزائف، ويُعاد إنتاج الولاء للنخب، حتى وإن كانت هذه النخب قد فقدت أي شرعية أخلاقية أو سياسية لدى قطاعات واسعة من الشعب.
هذا التضليل المنهجي لم يكن دائماً محكماً، فقد بدأ الوعي الجمعي للسودانيين يتغير بصورة واضحة، خصوصاً مع انتشار وسائط التواصل الاجتماعي التي فتحت الباب أمام روايات بديلة، وشهادات مباشرة من أرض الحدث، وصور لا يمكن إنكارها مهما حاولت المنظومة الإعلامية التقليدية إخفاءها. وشيئاً فشيئاً، صار الناس أكثر جرأة في التشكيك في ما يُبث على الشاشات، وأكثر قدرة على قراءة ما وراء الخطاب الإعلامي وتفكيك دوافعه السياسية.
لقد أدرك السودانيون أن الحرب ليست حرباً من أجل الوطن كما يروّج الإعلام المرتبط بالنخب، بل هي صراع على السلطة والنفوذ، وأن المؤسسة العسكرية ليست ذلك الكيان المتجرد الذي يخوض معركة مقدسة، بل طرفٌ في أزمة عميقة دفع ثمنها المواطن البسيط في حياته ومعاشه وأمنه. وبات الجمهور أكثر حساسية تجاه محاولات الاستغلال العاطفي، وأكثر ميلاً إلى مساءلة الخطاب الرسمي، لا ابتلاعه كما كان يحدث في السابق.
لكن معركة الوعي لا تزال طويلة. فما يروّجه الإعلام ليس مجرد أكاذيب عابرة، بل بنية فكرية كاملة صُمّمت عبر عقود، وشاركت فيها المدارس والجامعات والمناهج والمراكز الثقافية، وصولاً إلى الدراما التي أعيد توظيفها لتلميع الجيش وتشويه خصومه. فالإعلام لم يكن منفصلاً عن الدولة العميقة، بل جزءاً عضوياً منها. ولذلك فإن تفكيكه لا يقتصر على كشف التضليل، بل على بناء خطاب جديد يعيد الاعتبار للإنسان السوداني وحقوقه، ويضع معايير المهنية فوق الولاءات الضيقة.
إن سقوط الرواية الرسمية في نظر قطاعات واسعة من الشعب يشير إلى تحولٍ مهم في الوعي الجمعي، تحول لم تعد القنوات الكبرى قادرة على تجاهله أو حجبه. فكلما ازدادت الفجوة بين ما يراه الناس بأعينهم وما يسمعونه من تلك المنابر، فقد الإعلام المأجور تأثيره، وازدادت قوة الإعلام البديل الذي ينقل الحقيقة بلا تلميع أو وصاية.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد مواجهة بين طرفين عسكريين، بل معركة على معنى الوطن، وعلى من يملك الحق في صياغة مستقبله. والإعلام الذي طالما كان أداة للتزييف، أصبح تحت نظر شعب أكثر يقظة ونضجاً، يدرك أن حريته تبدأ من تحصين وعيه، وأن الحقيقة مهما حُوربت ستجد طريقها إلى الناس، لأن الشعوب لا يمكن أن تعيش إلى الأبد خلف ستار الخداع




