
عبدالرحمن العمرابي
لم يكن الخلاف بين تحالف تأسيس وكيان صمود وليد اللحظة، ولا هو خلاف ظرفي يمكن تجاوزه باتفاق مرحلي، بل هو نتيجة لاختلافات فكرية ومنهجية عميقة حول طبيعة الدولة السودانية ومستقبلها بعد الحرب. فبينما تبنّى تأسيس مبدأ علمانية الدولة كضمانة لبناء مؤسسات مدنية محايدة تحمي الدين من التسييس، رفضت صمود هذا المبدأ وعدّته خروجاً عن هوية المجتمع السوداني. ومن هنا بدأ التباين الفكري الذي تحوّل لاحقاً إلى خلاف سياسي متصاعد.
تحالف تأسيس قام على فكرة الدولة المدنية الحديثة القائمة على وثيقة تأسيس وميثاق سياسي فوق دستوري يحدد المبادئ غير القابلة للمساومة، مثل فصل الدين عن السياسة، والعدالة الانتقالية، وإعادة هيكلة الدولة على أسس فيدرالية عادلة. أما صمود فتمسكت بخطاب “المدنية المحافظة” التي ترى أن قيم المجتمع وتقاليده يجب أن تكون مرجعية التشريع، معتبرة العلمانية طرحاً فكرياً “غير ناضج” للسياق السوداني. هذا الخلاف الجوهري جعل العلاقة بين الطرفين تتأرجح بين التفاهم الحذر والانقسام الواضح.
أشار بعض الفاعلين في مجموعة الرباعية إلى مشكلة رئيسية داخل تأسيس تتعلق بطبيعة تركيبته. فبرغم أنه جسم مدني في الأساس، إلا أنه تحالف مع جهات تحمل السلاح كأحد أساليب المقاومة ضد ظلم الانقلابيين وفساد المتأسلمين. ومن هنا نشأت الإشكالية في كيفية تمثيله: إذ يُنظر إليه من قِبل الرباعية كتحالف مدني-عسكري هجين، مما يعقّد الاعتراف به كممثل خالص للقوى المدنية في أي مفاوضات أو محادثات، لأن وجوده في طاولة المفاوضات يتطلب اعتراف الانقلابيين به ككيان شرعي، وهو ما يبدو غير مرجح حالياً. وهنا تمت الإشارة إلى أن تحالف تأسيس وحكومته يعانون من خلل مؤسسي في إدارة القرار، حيث تصعد قيادات دون الرجوع إلى الأطر المرجعية أو الجمعية العمومية، مما أثار تساؤلات حول مدى فاعلية الهيكل التنظيمي وقدرته على ضبط التوجه السياسي العام. وقد قرأ بعض داخل تحالف صمود هذا المشهد باعتباره دليلاً على ضعف الانضباط المؤسسي في تأسيس فاختاروا المراهنة على موقعهم المستقل أو التحالف مع أطراف خارجية.
من اللافت أن بعض من اعضاء القوي المدنيه المقربه من الدعم السريع أو المعينة كقيادات بقرار فوقي داخل تحالف تأسيس تميل إلى العودة إلى نوع من الشراكة مع صمود كما عبّرت عن ذلك في أحاديثها الخاصة. غير أن المدنيين المستقلين في تأسيس يرون هذه التوجهات مجرد تحركات شخصية لا تعبّر عن الموقف العام، إذ أن التحالف يقوم على الميثاق والمبادئ لا على المصالح المتقلبة. في المقابل، يرى البعض داخل صمود أن الظرف الإقليمي والدولي تغيّر لصالحهم، وأن الوقت حان لاستثمار هذا التغير ليصبحوا الشريك المدني الرئيسي في المشهد السياسي، إلى جانب الأطراف الدولية المتدخلة في الأزمة السودانية. هؤلاء يعتقدون أن التحالف مع تأسيس قد يُضعف فرصهم في كسب الدعم الغربي أو الدولي، خاصة وأن الرباعية لم تُبدِ بعد اعترافاً رسمياً بحكومة تأسيس، بل تفضّل التعامل مع الكيانات المدنية القابلة للتأطير السياسي دون الارتباط بقوى مسلحة.
تحركات صمود لا يمكن قراءتها فقط كمناورة تفاوضية، بل كمحاولة لإعادة تموضع سياسي تهدف إلى تقديم نفسها كالممثل الأوحد للقوى المدنية السودانية كما فعلت وتفعل دائماً، في ظل فراغ سياسي متزايد ورغبة دولية في طرف مدني “مقبول”. لكن القوى المدنية داخل تحالف تأسيس، خصوصاً تلك التي لم تأتِ من خلفية “تقدم”، تنظر إلى هذا المسار كابتعاد عن المبدأ لا كتكتيك سياسي. فتحالف تأسيس بمدنيه المستقلين يرفض التخلي عن حلفائه في الحركة الشعبية شمال أو قوات الدعم السريع لمجرد تبدّل الرياح السياسية، ويعتبر ذلك نوعاً من الانتهازية السياسية التي تعيد إنتاج التبعية القديمة التي ثار عليها الشعب السوداني.
في ختام المشهد، تؤكد القوى المدنية المستقله داخل تحالف تأسيس أنها لن تحيد عن الميثاق والدستور، ولن تتنازل عن مبادئها من أجل التبعية لأي جهة، سواء صمود أو غيرها، مقابل صعود مؤقت في المشهد المدني أمام الرباعية. فمطلب الرباعية لم يكن اختيار صمود كممثل، بل بدأ يتفهم أن رفض تأسيس كما هو سيقود إلى رفض صمود أيضاً، لأن كلا الطرفين موضع تحفظات مختلفة. والبديل الذي قد تلجأ إليه الرباعية هو استدعاء الأجسام المدنية المستقلة والشخصيات غير الحزبية، مما يجعل المشهد التفاوضي أكثر تعقيداً. وفي هذه المعادلة، يبدو أن الرباعية أمام خيار اوحد وهو قبول بتأسيس كتحالف مدني حقيقي ذي رؤية واضحة يمكنهم من استيعاب صمود كجسم له وزن بحكم وضعيته التاريخيه في حكومه الشراكه التي انقلب عليها الإسلامويين واتباعهم في الجيش مع اضافه تمثيل من الكتله التاريخيه. نعلم الي اين ذاهبه الرباعيه وهم يستمعون للأطروحات المختلفه التي تتميز حتي الان بالتقليل من جسم مدني لآخر وزرع الشكوك في محاولات للفوز بمقعد المدنيه وهم بسذاجتهم لا يعلموا الي اين هم ذاهبون بهذه الأفعال والأقوال.
يبقى تحالف تأسيس الفكرة الأقرب إلى الدولة المؤسسية الحقيقية، بينما تظل صمود تعبيراً عن رغبة العودة إلى مساحات سياسية مألوفة فقدت فعاليتها. وما بين المبدأ والمصلحة، سيحكم التاريخ أي الطريقين أحق بالبقاء ولكن لا مكان للعوده بعد الطلاق الثلاثي وان عملوا علي ايجاد محلل.




