رأي

الرباعية والهدنة الهشة في السودان: تحليل للمشهد الراهن ومخاطر الانقسام وخيارات تجنُّب التفكك

مؤيد الامين

 

   مؤيد الأمين

   لقد ورد في مقال سابق المخاوف من الانقسام ، وطرح إحتمالات علمية لما بعد الهدنة، في نفس السياق جاء هذا المقال لفتح رؤيا قد تكون مفتاحا لنا لتجنب مخاطر الهدنة التي قد تقود البلد الا انقسام حقيقي.

مع إعلان «قوات الدعم السريع» موافقتها على مقترح الرباعية الدولية لهدنة إنسانية، يبدو العالم أمام لحظة مفصلية في مسار النزاع السوداني الممتد منذ أبريل 2023. الموافقة الرسمية من طرف واحد أو حتى الطرفين لا تُنهي الحرب تلقائياً، لكنها تمنح فرصة نادرة لإدخال مساعدات إنسانية، ولوقف جزء من العنف المباشر بينما تُبحث آليات أوسع للحل السياسي. تقف هذه اللحظة بين احتمالين متضادين: إمكان تحويلها إلى نقطة انطلاق لمحادثات سياسية شاملة تحفظ وحدة البلاد، أو تحولها إلى سقف زمني مؤقت تنتهي معه الجهود وتدفع البلد نحو انقسام لا رجعة فيه.

في هذا التحليل نناقش أولاً ما يشي به المشهد الراهن، ثم نستعرض مخاطر السيناريوهات الأسوأ (لا سيما انقسام الإقليم أو تقسيم السلطة على أساس جغرافي)، ونختتم بمجموعة من الخيارات والآليات الموضوعية التي يمكن اعتبارها أدوات لمنع الانزلاق نحو تفكك دائم.

ماذا تغيّر في الأيام الأخيرة؟

أعلنت مصادر إعلامية ودولية عن موافقة قوات الدعم السريع على مقترح هدنة قدمته الرباعية (الولايات المتحدة، السعودية، مصر، الإمارات)، وهو ما شجّع تصريحيات دولية ودعوات لوقف النار وإدخال المساعدات. في المقابل، يبقى تطبيق الهدنة رهين نقاط فنية: تحديد خطوط التماس، ضمان دخول المساعدات لكل المناطق، آليات المراقبة والتحقق، وإلتزامات متبادلة لوقف العمليات الهجومية والهجمات المؤيدة من أطراف مساندة. كما حذّرت تقارير عن استمرار التوتر الميداني في محاور عدة وأن أي هفوة في التطبيق قد تُعيد اندلاع المعارك بسرعة.

إلى جانب البيان الرسمي، مارست دول الرباعية ضغطًا دبلوماسيًا وإعلاميًا لتثبيت النصوص وضمان آليات إنسانية واضحة. الإمارات، على سبيل المثال، كررت مطالبتها بوقف فوري لإطلاق النار كمدخل لحل سياسي طويل الأمد. وفي الخطاب الدولي يظل التركيز على الجانب الإنساني أولاً، مع محاولة ربط ذلك بآليات لاحقة للسياسة والتحول.

لماذا لا تكفي الهدنة — وما المخاطر الواقعية؟

الهدنة الإنسانية مهمة وضرورية لتخفيف معاناة المدنيين، لكن خبرات الصراعات المعقدة تُظهر أن الهدن المؤقتة وحدها لا تمنع الانزلاق نحو انفصال إقليمي أو تفكك سياسي إذا لم تُرافقها خطوات سياسية وتراكمية واضحة. المخاطر الأساسية هي:

1. تفكك مؤسسات الدولة على الأرض: عندما تقبع السلطة الفعلية في مناطق متعددة تحت سلطة فاعلين مسلحين مختلفين، يتحول من الصعب استعادة هياكل حكم مركزية فاعلة. هذا ما شهدته مناطق متفرقة في النزاعات الإقليمية، ويحذّر منه محلّلون في حالة السودان.

2. استغلال الأطراف المحلية والإقليمية: أزمات الأمن تؤدي إلى تفشي شبكات المصالح والتهريب والانتفاع بالحالة، ويصبح تفكيك السيطرة أداة للاستفادة السياسية والاقتصادية، ما يصعّب إعادة توحيد المؤسسات لاحقًا.

3. حالات تُشبه جنوب السودان: التجربة التاريخية لتقسيم السودان عام 2011 تُستحضر دائماً كنموذج تحذيري: عدم معالجة جذور النزاع السياسي والاقتصادي واجتهادات الهوية قاد إلى انفصال طويل الأمد مع ثمن بشري واقتصادي كبير. إن الفشل في سد الفجوات التمثيلية والسياسية قد يؤدي إلى تكرار سيناريوهات مماثلة في مناطق أخرى.

4. إضعاف البنية الاجتماعية والمدنية: النزاع يهدم شبكات الثقة المجتمعية والمؤسسات المدنية، ومع مرور الوقت تصبح إعادة بناء هذه الشبكات أصعب بكثير، مما يجعل الحلول المركزية أقل واقعية.

سيناريوهات ممكنة قصيرة ومتوسطة الأمد

السيناريو الإيجابي المشروط: هدنة إنسانية متفق عليها تُترجم إلى آليات دخول مساعدات، ثم إلى لجنة سياسية تفاوضية تضم ممثلين عن كل المناطق (شاملة للدارفور، الخرطوم، ولايات شرق وغرب البلاد)، مع إشراف دولي وإقليمي. يؤدي ذلك إلى عملية انتقالية مدتها محددة تتضمّن إصلاحات دستورية وتمهيد لانتخابات أو هيكلة حكم لامركزي مع ضمانات حقوقية.

السيناريو الهش: هدنة مؤقتة مع التزامات غير واضحة وآليات مراقبة ضعيفة. تأخذ المواجهات والزحوف مراحلاً متقطعة، وتستغل الفصائل الفراغ لتثبيت مكاسب إقليمية، مما يقود تدريجياً إلى انفراط العقد الوطني.

السيناريو الأسوأ (الانقسام): مع تواري الحل السياسي وغياب ضمانات لحقوق الأقليات والموارد، تتبلور سلطات محلية متنافسة تؤدي عملياً إلى انفصال مناطقي (أو حكم شبيه بالإقليمية المفرطة) مع انتقال دائم للسيادة على أجزاء من البلاد.

أدوات و«خيارات» عملية — ماذا يمكن فعلاً القيام به (قائمة واقعية، غير توجيهية)

فيما يلي مجموعة من الأدوات والآليات التي توصّف خيارات عملية يُمكن دراستها أو اعتماد أجزاء منها من قِبل الجهات الفاعلة المتعددة (المجتمع المدني، المنظمات الإنسانية، الوسطاء الدوليين، الهيئات الحقوقية) — صيغتها هنا تحليلية وليست تعليمية أو دعائية:

1. آليات مراقبة مستقلة وشفافة للهدنة: تشكّل لجنة مراقبة بمشاركة أممية وإقليمية ومراقبين مدنيين سودانيين مع وجود خطوط اتصال فورية للتبليغ والتحقق. وجود طرف ثالث محايد ضروري لتقليل الخروقات.

2. خطة إنسانية سريعة وموثوقة للتوزيع: ضمان ممرات إنسانية آمنة، قواعد بيانات للنازحين، وخريطة توزيع مساعدات متاحة للجميع دون تمييز. يجب ربط أي هدنة بتسهيل وصول المنظمات الإنسانية.

3. آليات بناء ثقة مرحلية: إطلاق سراح محتجزين سياسيين، فتح طرق مواصلات محلية، وإنشاء لجان تحقيق أولية في الانتهاكات كإشارة لجدية الانتقال إلى حل شامل.

4. محادثات شاملة متعددة المسارات: إلى جانب المفاوضات بين القادة العسكريين، يجب فتح مسارات موازية تشمل ممثلين عن المجتمعات المحلية، زعماء تقليديين، منظمات نسائية وشبابية، وممثلين عن مناطق النزاع (خاصة دارفور). مشاركة الفاعلين المحليين يزيد شرعية الحل.

5. ضمانات دولية وإقليمية: إشراك الجامعة العربية، الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة لتقديم آليات ضمان تنفيذيّة (آليات عقوبات أو حوافز) تكفل التزام الأطراف بما يتم الاتفاق عليه.

6. خارطة طريق للعدالة الانتقالية والإصلاح المؤسسي: جدولة لإصلاحات الأمن والجيش والحوكمة المحلية، مع آليات محاسبة واضحة للانتهاكات. وجود آلية عادلة للعدالة الانتقالية يحد من دوافع الانتقام ويسهم في إعادة بناء الثقة

7. خطة اقتصادية استعجالية للتعافي المحلي: حزم دعم لإعادة الخدمات الأساسية وإطلاق مشروعات توظيف محلية، بوصفها حصانة ضد تفكك اقتصادي يؤدي إلى إضعاف الدولة المركزية.

دور المجتمع المدني والإعلام والمساحة العامة (بصيغ عملية

المجتمع المدني والإعلام يمكن أن يلعبا دوراً محورياً كوسيط للثقة ومراقب لالتزامات الهدنة. أدوار ممكنة تشمل توثيق الانتهاكات بدقة، تيسير حوار مجتمعي محلي، وتقديم خرائط احتياجات إنسانية محايدة. كما أن منصات الإعلام المستقلة تلعب دورًا حاسمًا في منع خطاب الكراهية الذي يسهّل تفكك النسيج الاجتماعي.

خاتمة:

من الفرصة إلى البناء الطويل

اللحظة الحالية — مع قبول مقترح الرباعية لهدنة إنسانية — تفتح نافذة عمل لا ينبغي إهدارها. لكنها نافذة هشة؛ نجاحها يتطلب أكثر من توقيع؛ يحتاج إلى آليات تنفيذية، مراقبة مستقلة، ومقاربة متعددة المسارات تعالج جذور التمثيل السياسي والعدالة في إدارة الموارد والهوية. إن السيناريوهات التي تؤدي إلى تفكك دائم ليست مجرد احتمال نظري، بل نتيجة منطقية ممكنة إذا تُركت العملية السياسية تعيد إنتاج نفسها على قواعد القوة وحدها. في المقابل، التحول من هدنة إنسانية إلى عملية سياسية شاملة قابلة للتطبيق يعتمد على قدرة مختلف الفاعلين — داخليين وإقليميين ودوليين — على ترجمة التعهدات إلى آليات واقعية وشفافة تضمن حماية المدنيين واستعادة دور المؤسسات الوطنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!