رأي

تحليل خطاب البرهان الأخير .. خطاب الضعف وأزمة القيادة!

عبد الجليل سليمان

 

عبد الجليل سليمان 

يأتي خطاب عبد الفتاح البرهان في توقيت بالغ الحساسية، ليس فقط بسبب التطورات الميدانية التي أظهرت تقدّم قوات الدعم السريع في الفاشر وبارا وغيرهما، وإنما أيضاً بسبب التحولات الدولية والإقليمية التي تضيق هامش المناورة المتاح أمام القيادة العسكرية في السودان.

وفي قلب هذا الخطاب يكمن خوف مركّب:

• من انكشاف الوجود الإخواني المتغلغل داخل الجيش،

• ومن انعزال البرهان نفسه داخل مؤسسة لم يعد يتحكم في قرارها بالكامل،

• ومعادلة دولية قد تجعل الإسلاميين “عبئًا” لا حليفًا.

أولاً: إنكار وجود الإخوان داخل الجيش… خطاب موجّه لا للعالم بل للتنظيم

إنكار البرهان لفكرة “سيطرة الإخوان على المؤسسة العسكرية” لا يقنع أحدًا؛ فالمعلومات عن نفوذهم في الجيش – من هيئة الاستخبارات إلى سلاح المدرعات والدفاع الشعبي السابق – معروفة للجميع، من مصر إلى الإمارات، ومن واشنطن إلى الرياض.

هنا يبرز السؤال: لمن وجّه البرهان رسالته؟

الإجابة:

• إلى الإخوان أنفسهم داخل الجيش لطمأنتهم أنّه لن يتخلى عنهم.

• وإلى واشنطن والرباعية في محاولة يائسة لنفي الصلة بين الجيش والتنظيم، خاصة مع اتجاه إدارة ترامب المحتمل لتصنيف جماعة الإخوان “تنظيمًا إرهابيًا أجنبيًا”.

بهذا المعنى، يُقرأ الخطاب كوثيقة دفاعية؛ محاولة لتأخير لحظة الحسم التي قد يضطر فيها البرهان إلى التضحية بالإسلاميين تحت الضغط الإقليمي والدولي.

لكن الخطير أن البرهان لا يستطيع التخلص من الإخوان، وفي الوقت نفسه لا يستطيع إقناع العالم بأنهم غير موجودين. وبالتالي يصبح الخطاب محاولة لصناعة وهم سياسي مؤقت.

ثانياً: الهجوم على الإمارات… مناورة محفوفة بالمخاطر

إقصاء الإمارات من الرباعية – إذا حدث؛ ولن يحدث – سيرجّح زيادة دعمها للدعم السريع، لا العكس، للأسباب التالية:

1. الخصومة أصبحت علنية بعد خطاب البرهان.

2. غياب موقف مشترك بين مصر والسعودية وأمريكا.

3. خطوط الدعم عبر الساحل والصحراء لا يمكن إغلاقها الآن.

4. أبوظبي لا تريد الظهور كدولة “طُردت وخسرت نفوذها”.

إذن، هجوم البرهان على الإمارات لا يوقف تدفق السلاح للدعم السريع، بل يدفعه إلى مزيد من السرية والتعقيد.

كما أنه يعزل البرهان عن مركز ثقل خليجي كان بإمكانه – لو أحسن استخدامه – أن يشكل توازناً.

خطاب البرهان هنا يكشف ارتباكًا استراتيجيًا:

يدخل معركة سياسية مع الإمارات وهو يدرك أنه لا يملك أدوات الضغط عليها، ولا يملك بدائل دبلوماسية.

ثالثاً: وهم استسلام الدعم السريع… قراءة خاطئة لموازين القوة

حين يقول البرهان إن “النصر سيكون حليفنا”، فإنه يتجاهل حقائق ميدانية وسياسية:

• الدعم السريع حقق نتائج مؤثرة في الفاشر وبارا وشمال كردفان.

• يسيطر على مساحات سكانية واسعة، وعلى ممرات نقل حيوية.

• لم يتعرض لقطع الإمداد الخارجي – لا من أفريقيا الوسطى ولا من ليبيا ولا من شبكات الساحل.

• لديه دعم سياسي خارجي متفاوت لكنه مستمر.

فما الذي يجعل الدعم السريع يستسلم؟

لا يوجد مؤشر واحد على استعداد الدعم السريع لتسليم سلاحه للبرهان.

والأسباب واضحة:

1. قوة ميدانية متماسكة رغم الانتكاسات الجزئية.

2. دعم خارجي مستمر (ومن المرجح أن يزداد في حال إقصاء الإمارات).

3. اعتقاد قياداته بأن الجيش منقسم داخليًا وأن مستقبل البرهان نفسه غير مضمون.

4. تصور داخل الدعم السريع بأن الحرب صراع وجود وليس صراع سلطة، وأن أي استسلام يعني نهاية المشروع كله.

وبالتالي، خطاب البرهان عن “طردهم من السودان” لا يستند إلى تقدير واقعي، بل إلى خطاب تعبوي موجّه للداخل العسكري وللرأي العام المؤيد.

رابعاً: جوهر الخطاب — طمأنة الإسلاميين أم تمويههم؟

نص الخطاب يشير إلى أن البرهان يخوض معركتين في آن واحد:

1. معركة بقاء مع الإسلاميين داخل الجيش الذين يخشون أن يأتي يوم يضطر فيه لرميهم في البحر لإرضاء مصر والسعودية وواشنطن.

2. معركة وهمية لإثبات أن الجيش “نقي” من الإسلاميين، وهو ما لا يصدّقه أي طرف دولي.

هنا يصبح الخطاب رسالة مزدوجة:

• في العلن: “لا إسلاميين في الجيش… هذه فزاعة إماراتية”.

• في الباطن: “أنا لن أضحي بكم… كونوا معي الآن”.

لكن هذه الازدواجية خطرة، لأنها:

• تفقد البرهان ثقة الدول التي تشترط التخلص من الإسلاميين.

• ولا تضمن ولاء الإسلاميين الذين يشكّون في براغماتيته.

إنها محاولة لإرضاء الجميع… لكنها في الحقيقة لا ترضي أحدًا.

خطاب البرهان الأخير ليس خطاب قوة، بل خطاب دفاع عن الشرعية الشخصية في مواجهة 3 تهديدات:

1. الدعم السريع الذي يتقدّم ميدانيًا ولا يرى سببًا يدعوه للاستسلام.

2. الإمارات التي قد تزيد الدعم لخصومه إذا استمر في مهاجمتها.

3. الإسلاميون داخل الجيش الذين يمثّلون قوته وخطره في الوقت نفسه.

ولهذا يبدو الخطاب محاولةً:

• لطمأنة الإخوان،

• ولإرسال رسالة مشوشة للرباعية،

• ولإقناع الداخل بأن الجيش في موقع أفضل مما هو عليه فعلاً.

النتيجة: خطاب يعكس أزمة قيادة أكثر مما يعكس ثقة بالنصر .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!