رأي

جنرال كاسات.. عندما يتحول صوت العسكر إلى بؤرة للتوتر السياسي

علي سانتينو

في تعقيدات خطيره للمشهد السوداني المأزوم بفعل الحرب، يحدث استقطاباً حاداً لاصحاب البوت الملوث بالدماء، هذا الاستقطاب يضع جهود التسوية السلمية على محك الاختبار. وفي خضم هذا الواقع المعقد بفعل الموت، يبرز صوتٌ عسكريٌ معين كبؤرة للتحدي الذي يقوّض كل مسعى نحو إنهاء النزاع. إن المواقف والتصريحات الصادرة عن مساعد البرهان الفريق ياسر العطا، الملقب بكاسات، لم تعد مجرد آراء فردية طائشه، هي بمثابة عامل تشويش بنيوي يهدد أساس الحوار المطلوب للعبور بالبلاد إلى بر الأمان!
إن ما يميز الخطاب الذي يتبناه العطا، والمحسوب على تيار الإسلامويين المتشدد ضمن صفوف المؤسسة العسكرية، هو تصاعده من لهجة حادة إلى استراتيجية واضحة لتعطيل المسار السياسي الذي يقوده مستشار الرئيس ترامب. هذا الخطاب لا يقتصر على المواجهة العسكرية فحسب، بل يتجاوزها إلى تفكيك الإجماع الوطني والدولي الهش حول الحاجة لوقف إطلاق النار في السودان والبدء في عملية سياسية شاملة. لقد تحول الجنرال كاسات، بحسب العديد من المراقبين، إلى صوت النشاز الذي يخلط أوراق التفاوض عمداً، ويغذي حالة الاستقطاب السياسي والاجتماعي. إن تبني العطا لمفردات تحمل شحنة عالية من الكراهية والتحريض العنصري هو تكتيك خطير يهدد وحدة الدولة السودانية. ففي بيئة مشتعلة أصلاً، يعتبر الترويج للنعرة العنصرية وسفك الدماء بمثابة إشعال متعمد للفتنة الأهلية، وخدمة أجندة إطالة أمد الصراع بدلاً من إنهائه!
إن تصريحات العطا تفتقر إلى الحد الأدنى من الحصافة الدبلوماسية، وهي لا تخرج عن كونها تصريحات الرجل المخمور والفاقد للوعي. لقد وصل به الأمر إلى حد كيل الاتهامات والشتائم المباشرة ليس فقط للخصوم المحليين، شتائم للدول والشخصيات المؤثرة في القرار الإقليمي والدولي. إن هذا السفه السياسي لهذا الجنرال الغير واعي يمثل تحدياً سافراً للآليات الدولية المكلفة بتهدئة الأوضاع، وأبرزها الآلية الرباعية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية.
لا يمكن فصل الدور الذي يلعبه ياسر العطا عن الاستراتيجية الكلية للحركة الإسلاموية السودانية، التنظيم الذي كان وراء إشعال فتيل الحرب وتمزيق السودان. وتعتبر هذه الحركة أن أي تسوية سلمية تُفضي إلى إنهاء سيطرتها على مفاصل الدولة، هي بمثابة هزيمة استراتيجية لمشروعها. ولذلك، فإنها تستخدم واجهتها العسكرية، المتمثلة في العطا وآخرين، لقطع الطريق على الحلول الجذرية للنزاع. ويُعدّ العطا في هذه اللحظة أداة تنفيذية للبلابسة او التيار الراديكالي التي تعمل على عرقلة مسار السلام. ومن الواضح أن هناك تنسيقاً إيديولوجياً وتكتيكياً مع شخصيات بارزة من النظام الاسلاموي القديم، بقيادة علي كرتي المسؤول الأول للحركة الاسلاموية في السودان. هذا التنسيق يشير إلى خوف عميق من أن تنجح الجهود الدبلوماسية في نزع فتيل الأزمة وإعادة تشكيل المشهد السياسي بأسس مدنية وديمقراطية حقيقية. إن الهدف من هذا التحرك المُنسَّق بدقة بقيادة ياسر كاسات هو إبقاء السودان في منطقة اللا سلم واللا حرب، حيث يمكن للحركة الإسلاموية أن تعيد بناء نفوذها وتماسكها من جديد مُستغلةً حالة الفوضى الأمنية والتجييش العسكري. إنهم يدركون أن النجاح الدبلوماسي، خاصة الذي يقوده شخصيات ذات ثقل دولي مثل المستشار مسعد بولس، الذي يبذل مجهوداً ضخماً للتهدئه ووقف إطلاق النار، يمثل تهديداً وجودياً لمشروعهم السياسي القائم على الهيمنة العسكرية والأيديولوجية!
إن استمرار هذا الخطاب التحريضي له تداعيات مدمرة تتجاوز حدود المؤسسة العسكرية؛ فهو يقوّض الثقة الدولية، ويضعف قدرة الجيش على تقديم نفسه كشريك موثوق؛ كما أنه يساهم في تعميق الكارثة الإنسانية وإطالة أمد المعاناة للشعوب السودانية. والأخطر من ذلك، أنه يهدد بتفتيت النسيج الاجتماعي عبر اللجوء إلى مفاهيم الكراهية والنعرة العرقية التي يسوق لها الخطاب.
الحقيقة لا يمكن للمجتمع الدولي والسودانيين الباحثين عن السلام أن يسمحوا لصوت واحد نشاز، مهما علا نفوذه داخل المؤسسة المخطتفه، أن يختطف مصير أمة بأكملها. إن مواجهة سفاهة هذا الخطاب السياسي، والعمل على تحييد ياسر كاسات عن مسار القرار الاستراتيجي، أصبح شرطاً لا غنى عنه لإنجاح أي مبادرة دبلوماسية تهدف إلى وضع حد لهذه الحرب اللعينه التي طالت، وسببت معاناة لا تحتمل للشعب السوداني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!