
هناك مجموعة من العوامل التي تقف حائلًا دون سيادة حكم القانون في منطقة الساحل الإفريقي الموسع، منها: الفساد، التأثير السياسي، ضعف استقلال القضاء، وغياب التغطية العدلية الرسمية للنزاعات العرقية التي تنشب بين القبائل في المنطقة، إضافةً إلى الموروثات العقائدية والتعدد القانوني، بالرغم من أن 60–80% من النزاعات المحلية تُحلّ عبر الأنظمة العدلية التقليدية التي تستمد قوتها من الأعراف، إلا أن دول الساحل لا تُدمج هذه الوسائل رسميًا في النظام القضائي، بل تُبسّط سلطتها على النظام العدلي الحديث، الذي ينال رضا نحو 20–40% من السكان، وهم أولئك الذين يمكن وصفهم بأبناء المدن أو بالنخبة الإفريقية المتعلمة، والذين يتخذون من العواصم الكبرى مقرًّا لهم، وذلك بحسب إحصاءات رسمية.
بالرغم من صعوبة قياس مستويات الرضا ونسبيتها من دولة إلى أخرى في المنطقة، إلا أن الإحصاءات المذكورة أعلاه تشير إلى لجوء الغالبية العظمى من سكان المنطقة إلى النظام العدلي التقليدي، المكون من شيوخ العشائر ولجان الصلح، أو إلى محاكم الأعراف الخاصة ببعض القبائل، إضافةً إلى سلطات الإدارة التقليدية مثل النظار والسلاطين والعمد وغيرهم، للفصل في النزاعات بينهم.
نال الأحكام الشرعية الصادرة عن القضاء الشرعي، والتي تستمد قوتها من الشريعة الإسلامية، رضا الغالبية العظمى من سكان دولتي السودان وموريتانيا، بالإضافة إلى مناطق شمال ووسط تشاد وشمال مالي خلال فترة سيطرة جماعة أنصار الدين (القاعدة في بلاد المغرب) وما زالت بعض البنود في قانون الأسرة في مالي تختص بها المحاكم الخاصة.
أما في النيجر، فتُنظر القضايا الشرعية ذات الطابع الديني أمام المحاكم العرفية التقليدية، حيث يلجأ غالب المتقاضين إلى شيوخ العشائر وأئمة المساجد لفض النزاعات.
إن اعتماد النظام العدلي الرسمي في منطقة الساحل الإفريقي الموسّع، بكل تشكيلاته ومستوياته في الأنظمة المختلفة من الابتدائية والاستئنافية والنقض والدستورية والخاصة (مثل مكافحة الإرهاب والفساد والتجارة) إلى القوانين الفرنسية والإنجليزية، يُعد اعتمادًا محدود الفاعلية، نظرًا إلى أن القوانين الرسمية الفرنسية والانجليزية لا تغطي مختلف أنواع النزاعات في المنطقة، والتي تتميز بالطبيعة المتعددة والمعقدة بسبب التعددية الثقافية.
الملاحظ أن مستوى خضوع سكان المنطقة للقانون، الذي يتوجب على الجميع احترامه والاحتكام إليه لضمان السيادة، مقسم حسب تأثير المحمول الثقافي على القوانين الحداثوية والتقليدية بين الأفراد، فهناك من يعتبر الاحتكام إلى القانون الحديث قمة العدالة والرضا، بينما يرى آخرون أن الاحتكام إلى الأعراف أو الشريعة هو ما يجلب لهم الإحساس بالعدل والرضا، هذا بالإضافة إلى تأثيرات أخرى مثل الفساد، التأثير السياسي، وضعف استقلال القضاء.
أما المشتركات أمام العدالة وسيادة حكم القانون في دول الساحل الإفريقي الموسّع، فتشمل التمويل، والقدرة على دمج النظام العدلي التقليدي في النظام العدلي الحديث وتطويره وتقويته لمواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة والعابرة للحدود، توسيع القاعدة العدلية الحديثة في المدن والقرى، دراسة المنطقة لاستحداث قوانين جديدة تلبي تطلعات الشعوب المتعددة في المنطقة.
ونواصل …



