رأي

تصعيد الجيش ضد الرباعية قراءة في أثر الإسلاميين على القرار العسكري وردّتهم العنيفة على خطوة ترامب ضد الإخوان

التنوير ... تحليل سياسي

 

   التنوير ..تحليل القسم السياسي

في مشهد يعكس توترًا سياسيًا غير مسبوق داخل المؤسسة العسكرية، أعلن رئيس مجلس السيادة – القائد العام للقوات المسلحة – الفريق أول عبد الفتاح البرهان رفضه القاطع للتعامل مع الرباعية الدولية إذا كانت الإمارات جزءًا منها. ورغم أن التصريح قد يبدو في ظاهره موقفًا سياديًا، إلا أن التوقيت، واللغة المستعملة، والانسجام الكامل مع خطاب الحركة الإسلامية، كلها عوامل جعلت محللين يرون أن البيان الأخير لا يصدر عن جيش قومي، بل عن مؤسسة واقعة تحت نفوذ جماعات الهوس الديني الساعية إلى إعادة تموضعها بعد المتغيرات الدولية الأخيرة.

خطاب الجيش… أم خطاب الحركة الإسلامية؟

المفارقة الأكثر لفتًا للنظر، بحسب مراقبين، هي أن البيان العسكري يتطابق — حرفيًا تقريبًا — مع خطاب الأمين العام للحركة الإسلامية علي كرتي، الذي هاجم بدوره الرباعية، وهاجم أي مسار سلام مدعوم دوليًا، وربط ذلك بما وصفه “استهدافًا للمشروع الإسلامي”. هذا التطابق، وفق محللين، يعيد فتح ملف هيمنة الإسلاميين على قرار الجيش، ويُظهر أنّ المؤسسة العسكرية لم تستطع بعد التحرّر من رجال الظل الذين ورثوا نفوذ الإنقاذ وما زالوا يديرون المشهد من خلف الستار.

ويرى خبراء أن لغة البرهان في اجتماعه بالقيادة العليا لم تكن لغة قائد جيش محترف، بل لغة تكرّر مفردات الإسلاميين: “فزاعة الإخوان”، “سرديات الإمارات”، “الحرب معركة كرامة”، “القتال واجب لا مساومة فيه”، وهي مفردات ظلّت الحركة الإسلامية تستخدمها تاريخيًا لتبرير الحرب وتمديدها.

الرد العنيف على ترامب… الخوف من لحظة الحقيقة

التفسيرات الواسعة داخل الأوساط السياسية تشير إلى أن البيان العسكري ليس موقفًا معزولًا، بل ردّ فعل مباشر على إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن إدارته تعمل على وضع جماعة الإخوان المسلمين في قائمة الإرهاب. هذا الإعلان – الذي وصفه قادة إسلاميون بأنه “ضربة موجعة” – يعني فعليًا أن الحركة الإسلامية السودانية، التي تُعد واحدة من أكثر الفروع تشددًا وتنظيمًا، ستكون تحت مجهر القانون الدولي، بما يشمل نشاطها داخل الجيش.

ولهذا، يرى المراقبون أن تشدد الجيش في رفض الحل السلمي ليس دفاعًا عن السيادة، بل محاولة لتفادي أي عملية سياسية يمكن أن تفتح ملف الإسلاميين داخل القوات المسلحة، خصوصًا في ظل تقارير متزايدة تشير إلى استمرار نفوذ قيادات إخوانية داخل المفاصل الحساسة للقيادة العسكرية.

رفض السلام… مناورة أيديولوجية أم حسابات بقاء؟

المتابعون للمشهد الأمني يعتقدون أن الجيش، لو كان يعمل كجيش محترف خاضع لسلطة مدنية أو حتى رؤية استراتيجية واضحة، لكان أكثر انفتاحًا على المبادرات السلمية، خصوصًا بعد التدهور الإنساني المخيف الذي يعيشه السودان في أكثر من جبهة. لكن الرفض القاطع للحل السلمي، وشيطنة كل المبادرات الدولية، وتصوير الحرب كمعركة “بقاء”، كلها مؤشرات على أن المؤسسة العسكرية باتت تُدار وفق حسابات أيديولوجية لا عسكرية.

وحسب محللين، فإن الخطاب الأيديولوجي يوفّر مبررًا جاهزًا لاستمرار الحرب، لأن أي إيقاف للقتال سوف يعيد فتح ملفات الانتهاكات، وشبكات التمويل، والتغلغل الإسلامي داخل الجيش، وهي ملفات تشكل تهديدًا وجوديًا للحركة الإسلامية التي تجد في الحرب مظلّة تحميها من أي مساءلة.

هل القرار مستقل… أم مختطف بالكامل؟

المعطيات المتاحة تشير إلى أن القرار العسكري في السودان لم يعد قرارًا مؤسسيًا، بل هو نتاج تحالف بين جزء من قيادة الجيش وبقايا الحركة الإسلامية. هذا التحالف — وفق ما يُجمع عليه محللون — يرى في أي سلام حقيقي تهديدًا مباشرًا لبقائه، لأن أي عملية سياسية جديدة ستعيد هيكلة الجيش وتجفيف نفوذ الإسلاميين داخله.

ويرى مراقبون أن خطاب البرهان لا يمثّل رؤية الجيش السوداني بكل أجنحته، بل يمثّل “الطبقة الإسلامية” التي ظهرت بوضوح منذ بداية الحرب، وظهرت معها تسميات “كتائب البراء بن مالك” و“معركة الكرامة” و“مواجهة الرباعية”، وهي مصطلحات تؤكد أن الحرب تُدار بخطاب عقائدي لا وطني

تداعيات الموقف… عزلة دولية وشرخ داخلي

محللون دوليون يرون أن رفض الجيش للرباعية، ورفضه لأي حل سلمي مدعوم دوليًا، سيؤدي إلى:

مزيد من العزلة الدولية على السودان والقيادة العسكرية.

تجميد أي مسار لإعادة الإعمار أو الدعم الإنساني.

تعميق الشكوك الغربية حول سيطرة الإسلاميين على الجيش.

فتح الباب أمام ضغوط أميركية وأوروبية غير مسبوقة في حال تمّ رسميًا إدراج الإخوان على لائحة الإرهاب.

وفي الداخل، يرى سياسيون أن البيان الأخير سيزيد الشرخ بين الجيش والمكوّنات المدنية التي باتت ترى أن الحرب ليست مسألة أمنية، بل صراع نفوذ بين جماعات عقائدية تستخدم المؤسسة العسكرية غطاءً لمشروعها السياسي.

خلاصة

الموقف الجديد للجيش ليس مجرد رفض لمسار سلام، بل علامة دامغة على أن قرار المؤسسة العسكرية بات أسيرًا لمشروع أيديولوجي يتصدى للتحولات الدولية الأخيرة، وعلى رأسها خطوة ترامب تجاه الإخوان. ومع تزايد تطابق خطاب الجيش مع خطاب الحركة الإسلامية، تتعزز القناعة بأن الحرب الحالية — إذا استمرت — لن تُبقي على مؤسسة وطنية موحدة، ولا على فرصة سلام حقيقي.

والمشهد، وفق أغلب المراقبين، لا يشي بحرب تُخاض دفاعًا عن الدولة، بل بحرب تُخاض دفاعًا عن نفوذ جماعات دينية تخشى أن يأتي السلام بما هو أخطر عليها من الهزيمة: كشف الحقيقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!