رأي

تحريض عابر للحدود

سمية النور دهب ،، دبلن

 

سمية النور دهب ،، دبلن 

الكلمة حين تُطلق بلا مسؤولية قد تُشعل ما تعجز الحروب عن إخماده

في خضم التعقيدات المتصاعدة التي تشهدها المنطقة، تبرز بين الحين والآخر خطابات متطرفة لا تكتفي بتوصيف الصراع، بل تسعى إلى توسيعه وإشعال دوائره. ما صدر مؤخرًا عن ضابط سوداني إسلامي عبر منصات التواصل الاجتماعي يمثل نموذجًا صارخًا لهذا النمط من الخطاب، حيث تجاوز حدود التحليل أو التعبير السياسي، لينخرط في تحريض مباشر يستهدف البنية التحتية الحيوية لدول الخليج العربي.

إن الدعوة إلى استهداف منشآت مدنية مثل محطات التحلية والكهرباء لا يمكن النظر إليها إلا باعتبارها خطابًا خطيرًا يتنافى مع أبسط قواعد المسؤولية الأخلاقية والمهنية، فضلًا عن تعارضه مع القوانين الدولية التي تحظر استهداف المرافق الحيوية التي يعتمد عليها المدنيون في حياتهم اليومية. فهذه المنشآت ليست أهدافًا عسكرية، بل شرايين حياة لملايين البشر، وأي حديث عن تدميرها يعني الترويج لكارثة إنسانية محتملة.

الأخطر من ذلك أن مثل هذه التصريحات تأتي في سياق إقليمي شديد الحساسية، حيث تتقاطع المصالح وتتصاعد التوترات، ما يجعل أي خطاب تحريضي بمثابة شرارة قد تُستغل لإشعال صراعات أوسع. كما أن توظيف منصات التواصل الاجتماعي لبث مثل هذه الدعوات يعكس تحوّلًا مقلقًا في طبيعة الخطاب العسكري والإعلامي، حيث تختلط الأدوار بين الرسمي وغير الرسمي، وتتراجع معايير الانضباط لصالح الإثارة والتعبئة.

ولا يمكن فصل هذه التصريحات عن السياق الداخلي السوداني، حيث أدت الحرب المستمرة إلى حالة من الاستقطاب الحاد، وانزلاق بعض الأصوات نحو تبني خطاب تعبوي متشدد يتجاوز الحدود الوطنية. غير أن تصدير هذا الخطاب إلى الخارج، والدعوة إلى استهداف دول أخرى، يمثل تصعيدًا نوعيًا يهدد بتعقيد المشهد الإقليمي، ويضع السودان في موقع حرج على مستوى العلاقات الدولية.

في نهاية المطاف، تبقى المسؤولية مضاعفة على كل من يتصدر المشهد العام، خاصة من ينتمي إلى مؤسسات عسكرية، إذ يفترض أن تكون كلماته محسوبة بدقة، لا أن تتحول إلى أدوات للتحريض والتصعيد. فالكلمة، في زمن الأزمات، قد تكون أخطر من الرصاصة، لأنها تفتح أبوابًا يصعب إغلاقها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!