
السودان… وطن يستعيد ذاكرته من تحت رماد الحرب
إيمان التجاني
حين تفقد الأوطان ذاكرتها… تصبح الحروب أسهل من المصالحة، والخراب أسرع من البناء.
لم تعد الحرب السودانية مجرّد نزاع مسلح، بل تحوّلت إلى كارثة وجودية أعادت تشكيل صورة الوطن وأعماق روحه. الخرطوم، التي كانت مركز الدولة وعنوان هيبتها، لم تسقط كبقعة جغرافية فقط، بل سقطت كذاكرة وطنية تجمع السودانيين حول فكرة واحدة. شوارعها المدمرة ومؤسساتها المتوقفة لم تُنهِ حضور الدولة فحسب، بل كشفت حجم الفراغ الذي تركه غياب العقد الاجتماعي. لم يعد المواطن يشعر أنه جزء من منظومة تحميه، بل مجرد فرد مُلقى في العراء، يواجه مصيره بلا سند.
الحرب لم تبدأ اليوم، ولم تنفجر فجأة بين جيشٍ وقوة متمردة. جذورها تمتد إلى عمق التاريخ السوداني، حيث ظلت الأسئلة المصيرية معلّقة بلا إجابة: من نحن؟ ما هي هويتنا الجامعة؟ كيف تُدار دولة بهذا التنوع الهائل؟ ومع كل تأجيل، كان التصدع يكبر، إلى أن تحوّل إلى انهيار شامل. المؤسسات تآكلت، النخب فشلت في إنتاج مشروع وطني، والانقسامات الأهلية تغوّلت حتى تجاوزت قدرة الدولة على احتوائها.
في هذا المشهد الممزق، تمددت القوى الإقليمية والدولية داخل الفراغ. لكل طرف مصالحه: من يبحث عن الذهب، من يسعى وراء النفوذ في البحر الأحمر، ومن يريد موطئ قدم في صراع القرن الأفريقي. تحوّل السودان إلى مساحة مفتوحة لحسابات الآخرين، بينما نزيف شعبه لا يدخل في معادلات أحد. ولذلك تبدو كل هدنة هشة، وكل اتفاق منقوص، لأن جذوره تُسقى في الخارج لا في تربة السودان نفسها.
الداخل بدوره ليس أفضل حالاً. فالقيادة الجامعة غائبة، والقوى المدنية تائهة بين رؤى متناقضة، والمجتمع المدني منهك بفعل النزوح والجوع والخوف. وفي غياب قيادة قادرة على جمع الناس حول رؤية مشتركة، يصبح أي حديث عن السلام مجرد أمنية مؤجلة، لأن السلام بلا مشروع وطني ليس سوى استراحة قصيرة بين جولتين من العنف.
ومع ذلك، وبرغم العتمة، فإن السودان ما يزال يحمل فرصة. فرصة لإعادة تعريف نفسه، وبناء وطن مختلف، عبر مشروع وطني شامل يعيد الاعتبار للمواطنة، ويُصلح مؤسسات الدولة، ويؤسس لعدالة انتقالية لا تخشى الحقيقة، ويقيم اقتصادًا نزيهًا لا يعتمد على الفساد والتهريب، ويصوغ ذاكرة مشتركة تمنع تكرار الجراح.
السؤال الأهم اليوم ليس من سيكسب الحرب، بل من سيكتب قصة السودان بعدها. هل سيسمح السودانيون بأن تكتبها البنادق؟ أم النخب القديمة التي فشلت في كل اختبار؟ أم جيل جديد خرج من التجربة أكثر وعيًا وصلابة ورفضًا لتكرار أخطاء الماضي؟
إن مستقبل السودان لن يُصنع في غرف التفاوض وحدها، بل في ذاكرة شعبه. فمن يملك القدرة على صياغة هذه الذاكرة الجديدة، يملك القدرة على بناء وطنٍ لا تُعيده الحروب إلى الصفر كل مرة. السودان اليوم يقف على حافة ولادة جديدة، ولادة لن تتحقق إلا حين يقرر أبناؤه أن الذاكرة ليست أرشيفًا… بل سلاحًا للنجاة.




