
علي سانتينو
لم يعد العالم بحاجة لمناظير فلكية حتى يشاهد حجم الخراب الذي خلّفته جماعة الإخوان المسلمين أينما حلّت، وما يستعد الرئيس ترمب فعله عبر أوامر تنفيذية تصنف التنظيم الاخواني كجماعة إرهابية، سيضع المنطقة على عتبة فصل تاريخي لم يعشه الشرق الأوسط منذ سقوط الخلافة. لكن السؤال الأكثر إلحاحاً وأشد حساسية، والأخطر تجاهلاً، هو: ماذا عن فرع التنظيم الاسلاموي الذي تحوّل منذ ثلاثين عاماً إلى أكبر ورشة تصنيع للفوضى، وخزان عقائدي، ومالي وعسكري للتنظيم العالمي؟ ماذا عن إخوان السودان، الحاضنة التي أضحت أخطر من الفروع التقليدية للتنظيم في الشرق الأوسط كله؟
ومنذ انقلاب 30 يونيو الذي قاده الاخوان داخل الجيش السوداني، لم يكن السودان دولة اختطفها الإسلاميون، وانما خلايا ارهابية، ومختبر مفتوح للتنظيم الدولي الذي يدير عمليات عابرة للقارات. فالمخلوع البشير، بصفاقته المعهودة، لم يخفِ شيئاً حين قال أخذناها بالقوة، ومن أرادها يأخذها بالقوة. لم يكن الرجل وقتذاك يتحدث عن سلطة وطنية مستقلة، كان يتحدث عن غنيمة تنظيمية، ودولة وُضعت بالكامل في يد مشروع عابر للحدود، من السلاح إلى الاقتصاد إلى الأجهزة الأمنية، وإلى الجيش نفسه. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد السودان دولة يحدد مصيرها السودانيون، بل قاعدة خلفية لمشروع إخواني عالمي، ومأوى للهاربين والطامحين لبناء إمبراطورية الظلام والتطرف من الخرطوم!
وبعد ازاحة حكومة البشير بثورة شعبية في ابريل 2019، فان ما جرى لم يكن تقلبات سياسية أو فراغاً أمنياً، كان لحظات تكشُف حقيقي ظاهري. فالتنظيم الذي بنى دولته داخل الدولة، شعر بأن ساعة الحساب تقترب، وأن لحظة انتصار المقاومة تعني انهيار ثلاثين عاماً من التغلغل والتجنيد والتمكين. ولأنهم يدركون أن مساراً مدنياً حقيقياً سيقودهم إلى العدالة، أشعلوا حربا اخرى في 15 أبريل، حرباً صُمّمت من أول لقطع الطريق أمام أي قوة مدنية تفتح ملفاتهم وتكسّر وجودهم على المَْشهد السياسي. وهكذا، تحوّل السودان من بلد يترنّح نحو الانتقال الديمقراطي، إلى ساحة اشتعال هدفها الأول حماية التنظيم لا حماية الدولة، ولا الجيش، ولا الشعب!
الآن، تكشفت الحقائق بلا مُحسنات، واصبح التنظيم العالمي للإخوان متورط في الحرب السودانية من أخمص قدميه حتى أعلى شَعره في رأسه. يُهرَّب التمويل عبر شبكة مُحكمة بناها الإخوان خلال ثلاثة عقود من السيطرة على القرار. حيث يتدفّق السلاح نحو كتائب عقائدية تُدار تحت مظلة الجيش. وعناصر جهادية ارهابية تُستورد من خارج الحدود باسم الدفاع عن الشرعية الإسلاموية. كل هذا يجري بينما تبدو الدولة كأنها واجهة متهالكة يتخفى خلفها مشروعٌا سياسياً أكبر من السودان نفسه!
إن أخطر ما قد يفعله قرار ترمب هو أن يصنّف الإخوان كمنظمة إرهابية دون أن يضمّ الحركة الإسلاموية في السودان إلى القائمة. لأن ذلك ببساطة سيحوّل السودان إلى مكبّ للتنظيم العالمي، كما حدث مع تنظيم القاعدة حين وجد في الخرطوم ملاذه الأكبر في التسعينيات. وحين تُخنق الجماعة في مصر أو تونس أو لبنان، بالمقابل سيجد قادتها في السودان أرضاً للاستكانه، والمؤسسات المخترقة، والغطاء العسكري الموروث، والتمويل المغسول بعناية، وسيعيدون ترتيب صفوفهم مجدداً لبناء نفوذ دولي يتجاوز وجودهم في أي دولة أخرى!
ان الخطر الحقيقي على المنطقة ليس جماعة الاخوان فرع هنا أو جناح هناك، بل في وجودهم كسلطة حاكمة، وقدرتهم على السيطرة على الجيش والاقتصاد والأمن والقضاء. هذا الخطر اليوم يتمركّز بشكل اوضح في السودان، حيث يخوض التنظيم معركة البقاء الاخير أو الموت الابدي، معركة يدير فيها الاخوان حرباً كاملة كي لا يتجرأ أحد على إزاحتهم من الحكم بالقوة. ان الحركة الإسلاموية في السودان لم تعد هي فرعاً محلياً كما في وسائل الاعلام؛ فقد أصبحت العصب المركزي للتنظيم الاسلاموي العالمي، ومركز عملياته، وأكبر مورد له!
لقد اصبح من الاهمية قول الحقيقة كما هي مجردة دون تجميلات، ودون تردد، إذا كان هناك فرعاً من الإخوان يجب أن يبدأ به ترمب تصنيفه، فهو الحركة الإسلامية في السودان، لأنها اليوم تمثل خطرا عظيماً على المنطقة والعالم من أي تنظيم آخر، حيث ان خطرها إذا تُرك دون استئصال سيتجاوز تأثيرات إيران نفسها. وان وجود الإخوان على الحكم في السودان ليس فقط تهديداً داخلياً فحسب، بل وصفة مؤكدة لصناعة قوة نفوذ دولية متوحشة وعنيفه، تمتلك المال والسلاح والعقيدة والجغرافيا. وإن لم يُقطع رأس هذا التنظيم الآن، فسيتحوّل السودان إلى مركز قيادة عالمي لمشروع لا يعرف سوى إشعال الحروب، وتدمير الدول، وتوسيع رقاع الفوضى بالمنطقه.




