بوادر انعطافة تاريخية: كيف أعاد الكونغرس الأمريكي ضبط بوصلة الحقيقة في ملف السودان
نجم الدين دريسة

نجم الدين دريسة
يمثّل التوافق الذي توصّل إليه مجلسا الشيوخ والنواب في الولايات المتحدة الأمريكية، باستبعاد التعديل الذي طرحه السيناتور الجمهوري جيم ريش من النص النهائي لمشروع موازنة الدفاع لعام 2026، محطة فارقة في مسار التعاطي الدولي مع الأزمة السودانية. فهذا القرار لم يكن مجرد خطوة تقنية داخل أروقة التشريع الأمريكي، بل جاء كإشارة سياسية واضحة تؤكد أن الرواية التي حاولت بعض الأطراف فرضها حول طبيعة الصراع في السودان تواجه اليوم لحظة تمحيص قانوني وسياسي، وأن الحقائق بدأت تستعيد مكانها بعد سنوات من التشويه المتعمّد
ولعلّ الحكمة القديمة التي تقول: “للحق ضوءٌ لا يطفئه دخان الادعاء” تعبّر بدرجة كبيرة عن طبيعة هذا التحول. فالجهات التي دفعت بقوة لترويج تصنيفات غير دقيقة حول قوات الدعم السريع، اعتمدت على سرديات إعلامية مكثفة، لكنها افتقدت لما هو أهم: الأدلة الموضوعية المتماسكة.
هذا الاستبعاد، الذي جاء بعد نقاشات واسعة داخل الكونغرس، يُعدّ خطوة بناءة تخدم المصلحة العليا للشعب السوداني، إذ إنه يفتح الباب أمام دعم مسار السلام الشامل بعيداً عن أجندة سلطة بورتسودان التي—بحسب ما يرد في تقديرات عديدة—تسعى لإطالة أمد الصراع وتوظيف أدواته في خلق بيئة سياسية مضطربة يمكن إحكام السيطرة عليها. كما أن هذا التحول يعيد ترتيب أوراق المشهد الإقليمي، في ظل اتهامات متزايدة لتلك السلطة بالسعي لاستخدام الحرب كوسيلة لإعادة تدوير نفوذ تيارات أيديولوجية لطالما ارتبطت بالعنف في المنطقة.
لقد بذلت شبكات تنظيم الإخوان المسلمين العالمي، وفق ما تشير إليه مصادر سياسية وإعلامية، جهوداً واسعة لدفع صورة سلبية وغير دقيقة عن قوات الدعم السريع، محاولة إلصاق تهمة الإرهاب بها دون سند قانوني أو واقعي. هذه الحملات، المتكئة على المال السياسي والدعاية المكثفة، انقلبت في نهاية المطاف على صانعيها، بعدما بدأت المؤسسات الدولية تتقصّى الحقيقة بعيداً عن الضجيج الإعلامي.
إن المشهد الدولي اليوم يشهد تقدماً لافتاً نحو مراجعة شاملة لصعود التنظيمات العابرة للحدود ذات الارتباطات الأيديولوجية المتطرفة، وفي مقدمتها تنظيم الإخوان المسلمين. وقد بات المجتمع الدولي، بما في ذلك دوائر مؤثرة داخل الإدارة الأمريكية، قريباً كما لم يكن من قبل من إقرار قانون يصنف التنظيم كمنظمة إرهابية عالمية. صحيح أن هذه النقاشات لا تزال ضمن الإطار التشريعي والسياسي، لكنها تحمل دلالات واضحة: أن العالم بدأ يميّز بين من يستخدم شعارات الدين لأغراض الهيمنة والعنف، ومن يسعى لبناء مستقبل مستقر في وطنه.
وفي خضم هذا السياق، تبرز أهمية التأكيد على أن قوات الدعم السريع وفق منظور قطاع واسع من القوى المدنية كانت من أوائل المؤسسات العسكرية التي انحازت للثورة السودانية منذ لحظاتها الأولى، وأسهمت في حماية الحراك الشعبي في واحدة من أدق محطات التاريخ السوداني الحديث. وقد ظلّ كثير من الفاعلين السياسيين يشيرون إلى أن محاولات شيطنة قوات الدعم السريع استندت إلى روايات مختلقة أو مبالغ فيها، هدفت قبل كل شيء إلى إعادة تموضع الحركة الإسلامية التي سعت لاستغلال الفوضى وإجهاض الثورة وإعادة عقارب الزمن إلى ما قبل ديسمبر 2018.
لقد وُجّهت اتهامات متعددة خلال الحرب الأخيرة، بعضها نسب انتهاكات لقوات الدعم السريع، لكن العديد من هذه الوقائع وفق شهادات وتحقيقات وتصريحات لقوى مدنية—كانت مرتبطة بمجموعات أخرى ارتدت زي الدعم السريع، مثلما حدث في الجزيرة عبر مجموعات معروفة محلياً. كما أن مبدأ المساءلة داخل المؤسسة العسكرية للدعم السريع كان واضحاً عبر لجان التحقيق والانضباط التي أُعلنت في أكثر من مناسبة. هذه الصورة تتناقض مع ما يُنسب، في المقابل، للجيش الذي تُوجَّه له اتهامات من أطراف سياسية وحقوقية باستخدام طيران حربي يستهدف مناطق مأهولة بالمدنيين، فضلاً عن مزاعم تتعلق باستعانته بجماعات متشددة وخارجية، وهي معلومات ما تزال محل نقاش وتحقيق دولي.
وفي مقابل آلة القمع التي يرى كثيرون أنها استهدفت المدنيين في غرب السودان ووسطه، وجدت مجتمعات الهامش في قوات الدعم السريع حسب آراء واسعة قوة وقفت لصد العنف الذي مارسته السلطة المركزية القابضة والخانقة لعقود طويلة. فقد ظل الهامش السوداني عبر تاريخه يعاني من الظلم الممنهج وغياب العدالة. وفي هذا السياق، اكتسبت قوات الدعم السريع مكانة خاصة باعتبارها قوات إنحازت في لحظة تاريخية مفصلية الي الهامش وحملت قضاياه إلى قلب الصراع السياسي.
إن استبعاد تعديل ريش من مشروع الموازنة الأمريكي يمثل رسالة مهمة مفادها أن الولايات المتحدة باتت أكثر وعياً بالتعقيدات الداخلية للصراع السوداني، وأكثر رغبة في تبنّي مقاربة تستند إلى الوقائع لا الدعاية. وهذا التحول يفتح نافذة يمكن من خلالها إعادة بناء مسار سياسي قائم على السلام والاستقرار، بعيداً عن محاولات إعادة إنتاج الأنظمة الشمولية عبر بوابة الحرب.
لكن الأهم من ذلك أن السودان اليوم يقف أمام لحظة فاصلة. فإمّا أن تُلتقط هذه الإشارات الدولية بما يعيد تشكيل المشهد السياسي وفق رؤية جديدة قائمة على الشراكة والعدالة والاعتراف بالتنوع، وإمّا أن تستمر آلة الحرب التي لا تُنتج سوى الدمار وإطالة معاناة الناس.فالأوطان تبنى بالصدق قبل السلاح”، وهي حقيقة أثبتت التجارب العالمية أن تجاهلها يقود إلى سنوات طويلة من التيه.
إن المستقبل السوداني يظل رهين قدرة القوى الوطنية على تجاوز خطاب الكراهية والعودة إلى طاولة الحوار، وعلى بناء جيش مهني موحد، وعلى الاعتراف الكامل بقضايا الهامش كشريك أصيل لا تابع. فمسار السلام ليس خياراً سياسياً فحسب، بل هو ضرورة وجودية لدولة لم تعد تتحمل المزيد من التفكك.
وفي نهاية المطاف، فإن خطوة الكونغرس الأمريكي ليست سوى بداية طريق أطول، لكنها بداية في الاتجاه الصحيح ..خطوة تعيد التوازن لسردية طالها الكثير من التشويه، وتعيد الاعتبار لفكرة أن الحقيقة، مهما تتعرض للطمس، تظل قادرة على شق طريقها.
فالسودان يستحق سلاماً عادلاً، واستقراراً دائماً، ومستقبلاً تُبنى فيه الدولة على المواطنة لا الولاء، وعلى العدل لا القوة، وعلى الحقيقة لا الروايات المفبركة. ومن هنا، تبدأ أولى لبنات إعادة بناء وطن يسع الجميع.




