
منعم سليمان
يطرح الدكتور عبد الله حمدوك، رئيس الوزراء السابق للمرحلة الانتقالية ورئيس التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود)، في تغريدته أمس واحدةً من أكثر المقاربات وضوحاً في قراءة اللحظة السودانية الراهنة: فالحرب ليست مواجهة عسكرية فحسب، بل إعادة إنتاج لذلك الإرث المظلم الذي قاد البلاد إلى الانهيار.
بهذا التوصيف، يتجاوز حمدوك اللغة الخطابية التقليدية نحو تحليل يعيد ربط جذور الصراع ببنيته العميقة، في لحظة تعلن بداية زمن المواجهة وتسمية الأشياء بأسمائها، بعيداً عن اللغة الدبلوماسية التي جُرِّبت مراراً ولم تُؤتِ ثمارها.
ومن يتابع هذا الخطاب يدرك أن قوته لا تكمن في إدانة الحرب أو التذكير بكلفتها الإنسانية فحسب، بل في تقدّمه خطوة أبعد حين يحدد أن القوى الأيديولوجية داخل قيادة الجيش (الكيزان) – وهي الامتداد الطبيعي للمنظومة التي اختطفت الدولة لعقود – ما تزال المحرك الأساسي لاستمرار الصراع وتعطيل أي مسار للسلام.
وهنا لا يقدّم حمدوك تشخيصاً عابراً، بل مقاربة ومواجهة تكشفان عن بنية الأزمة نفسها، وترفعان سؤال اللحظة إلى مراتبه الشاهقة: من يملك القرار داخل المؤسسة العسكرية؟
كما أن دعوته لوقفٍ فوري وغير مشروط لإطلاق النار تتجاوز إطار المطالبة الأخلاقية إلى استراتيجية سياسية تنزع من الفاعلين المسلحين ورقة الشروط المسبقة التي طالما استُخدمت لتمديد القتال.
إنها محاولة لإعادة تعريف الشرعية: من شرعية السلاح إلى شرعية حماية المدنيين، ومن منطق الغلبة إلى منطق المسؤولية. وبهذا الطرح، ينجح حمدوك في صياغة معادلة سياسية جديدة تُحرج من يرفض وقف الحرب أكثر مما تُدين من يشعلها.
ولا يمرّ خطابه من دون رسالة خارجية واضحة. فالإشارة إلى الرباعية والوسطاء الدوليين تحمل دعوة لنقل الأزمة من مستوى إدارة الصراع إلى مستوى التوافق على مسار سياسي متماسك.
إنه يحاول وضع المؤسسة العسكرية المختطفة قسراً تحت المجهر الدولي، ويحمّل الوسطاء مسؤولية الانتقال من موقع المراقبين إلى موقع صانعي الحل.
ويبقى السؤال الأهم: هل يستطيع هذا النداء تغيير اتجاه الحرب؟
يرجّح أن تأثيره لن يكون فورياً، لكن قيمته الحقيقية تكمن في أنه يعيد تعريف واجبات جميع الفاعلين – الجيش، القوى المدنية، المجتمع الدولي، والشارع السوداني ذاته.
بهذا المعنى، فإن نداء حمدوك ليس مجرد موقف، بل لحظة كاشفة تختبر استعداد السودانيين لرفض تكرار تاريخهم، وقدرتهم على فرض مستقبل مختلف.
غداً نتحدث عن رمز السلام، والمدافع عن الديمقراطية، ربيب الإخوان وموحِّد الأديان… الكاتب الإبراهيميّ الجهبذ عبد الفتاح البرهان، ونكتب:
سبحان الذي فتح لعبدالفتاح!




