رأي

في نقد الخطاب الشعبوي للحرب

أسماء محمود محمد طه

 

أسماء محمود محمد طه

 

1. في أتون الضجيج المتصاعد والخطابات المتناقضة التي تملأ المشهد العام، يقف السودان أمام لحظة مفصلية تحتاج منا إلى ثورة فكرية، وليس لأي صخب سياسي أو عسكري. نحتاج ثورة تعيد تعريف الأسئلة، وتضع الحقائق في سياقها، وتكشف ما يحاول الخطاب الشعبوي إخفاءه تحت ركام الشعارات والتهليل. وبناء على ما تقدم لابد من الإجابة على كثير من الأسئلة الملحة التي نشأت نتيجة لهذه الحرب اللعينة:

2. من الذي أطلق الشرارة الأولى بتاريخ 15 أبريل 2025 في مباني المدينة الرياضية بالخرطوم؟

وقبل الانجراف خلف السرديات المتداولة، أود العودة إلى أصل الصراع. فالحرب لم تكن حادثاً عارضاً، بل نتيجة مباشرة لكثير من التراكمات للمشروع الإسلامي العسكري الذي حكم البلاد لما يزيد عن الثلاثة عقود. فالحركة الإسلامية وجهازها العسكري هي التي أطلقت أول طلقة عندما قررت تحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات للتمكين، وعندما صنعت جيشاً يتبع للحزب ولا يتبع للوطن. فما نعيشه اليوم ليس إلا امتداداً لذلك الإرث الذي لم تتم معالجته بعد الثورة. ونتيجة لهذه التراكمات، حدثت عدة محاولات لإجهاض الثورة منها تعمد الجيش عدم حماية الثورة والثوار، بل قام بقتل الثوار في الاعتصام، ثم قتلهم في الطرقات العامة أثناء المظاهرات. ثم قام بتعويق حكومة الثورة واعتقال رئيسها ووزراءها. وأيضًا عمل على معاداة لجنة التفكيك. وأنشأ الكتلة المسماة الحرية والتغيير الوفاق الوطني، من قوى النظام القديم وأقام لها ما سمي “اعتصام الموز” الذي طالبت فيه بالانقلاب على حكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك. وقد استجاب قادة الجيش لذلك الطلب ونفذوا انقلاب 25 أكتوبر الذي تسبب في كل الكوارث اللاحقة التي انتهت بهذه الحرب اللعينة. فشل الانقلاب واقر أصحابه بفشله وبدأ مشروع الاتفاق الإطاري. لكن قادة الجيش كانوا يعملون منذ البداية ضده بترك فلول النظام القديم ينشرون خطاب التحريض ضده وتسيير التظاهرات إلى مقر البعثة الأممية في الخرطوم. وحين اقترب الاتفاق الإطاري من الإجازة سمحت قيادة الجيش لقيادات المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية بإقامة لقاءات متتابعة دعت فيها إلى إسقاط الأطاري وإشعال الحرب. فالتفكير في كل هذه الأحداث بتفاصيلها تقودنا بوضوح شديد إلى الإجابة على سؤال: من أشعل الحرب؟ هل هو جيش الاخوان المسلمين، أم هو قوات الدعم السريع؟

3. هل قوات الدعم السريع جيش أم مليشيا؟

من الحقائق التي يغفلها الخطاب الشعبوي، عمداً، أو جهلاً ، أن الدعم السريع لم يُولد خارج المؤسسة العسكرية، وإنما جرى تأسيسه بقانون صادر عن البرلمان. وأصبح قوة نظامية تتبع للدولة، مهما اختلف الناس حول أدواره وسلوكه. فذلك، لا يبرر إهمال تاريخ وطريقة تأسيسه. بل إن قائد الجيش نفسه – عبد الفتاح البرهان – هو من منح الدعم السريع مزيداً من الاختصاصات والتوسع، في إطار منظومة أمنية كانت تتحرك بمنطق توازنات السلطة، لا بمنطق بناء جيش وطني محترف. والذي يتابع هذا التاريخ بدقة يصل لقناعة إن إطلاق لفظة “جنجويد” أو “مليشيا” على الدعم السريع غير دقيقة وغير صحيحة تاريخيا ويكذبها الواقع. فهي ليست سوى محاولة للهروب من المسؤولية بإطلاق وصف جديد لا علاقة له بملابسات تأسيسها.

4. من الذي يرفض التفاوض، الجيش أم الدعم السريع؟

رغم المآخذ الكثيرة على سلوك قوات الدعم السريع، إلا أن وقائع التفاوض تشير إلى أنه ظل مستعدا للجلوس ووقف إطلاق النار. فقد فعل ذلك في عدة محطات، في جدة مرتين، وفي المنامة، وفي جنيف أكثر من مرة بالإضافة إلى موافقته على كثير من المبادرات التي تدعو للتفاوض ولوقف الحرب، ومنها استجابته للاجتماع مع تحالف “تقدم” في يناير 2024، في أديس أبابا بناء على دعوة رئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك، بينما ظل الجيش – بقيادته الحالية – يرفض أي مسار سياسي أو تفاوضي جاد. فالخطاب الشعبوي التضليلي الذي بدأ بثه عقب إشعال الحرب نحا إلى تصوير المشكلة وكأن الدعم السريع هو الذي أشعل الحرب، وأن الجيش هو الذي يحمي نفسه من هجوم عليه، كما يعمل على حماية الوطن. وأن الدعم السريع هو العقبة الوحيدة أمام السلام. بينما الحقيقة تقول إن موقف قيادة الجيش قد ظل أسيراً لخط التنظيم الإسلامي الذي يرى في الحرب وسيلة لإعادة إنتاج سلطته المفقودة، ولإعفائه من مسؤوليتة في الجرائم التي ارتكبها في حق الوطن والمواطنين.

5. جيش من الذي يحارب الآن؟ لم تعد الحقيقة قابلة للإخفاء. فالجيش اليوم ليس جيشاً قومياً يمثل كل السودانيين، بل هو جيش المؤتمر الوطني الذي تَشكّل عقله وقيادته في مدارس الحركة الإسلامية. فنظام القبول إلى الكلية الحربية قد أضحى في نظام الإنقاذ معتمدا على أن يكون المتقدم من جماعة الإخوان المسلمين أو على أيسر تقدير متعاطفا معها. لذلك لا يمكن بناء سلام حقيقي ما لم يتغير هذا الوضع الذي جعل من الجيش أداة لخدمة تنظيم سياسي يريد أن يحكم منفردا. ولا مخرج من هذه الدوامة سوى عبر خلق جيش وطني خاضع للدستور وللسلطة المدنية المنتخبة عبر صناديق الاقتراع، في نظام ديمقراطي.

لماذا نحتاج ثورة فكرية؟ 

نحن بحاجة لقورة فكرية. فقد أصبح الخطاب الشعبوي شديد الرواج تختزل الأزمة فيه في مصطلحات “خيانة” مقابل “بطولة”، بينما الحقيقة أعقد من ذلك بكثير. فالسودان لا يمكن أن ينتصر للحقيقة إلا إذا واجه جذور الحرب بدلاً من الانغماس في معمعة الشعارات. فالثورة الفكرية المطلوبة هي ثورة وعي ومسؤولية. ثورة تعيد للناس قدرتهم على التفكير المستقيم، وتضع الدولة فوق الولاءات، وتعيد تعريف الوطنية خارج منطق الاصطفاف الأعمى.

ختاماً، نحن لسنا بحاجة إلى مزيد من الانسياق وراء العواطف والرغبات، وإنما بحاجة إلى مراجعة جذرية تنزع القداسة عن المؤسسات، وتعيد تعريف دور الجيش، وتكشف مسؤولية الحركة الإسلامية وجيشها في إشعال الحرب وفي تخريب البلاد، وتدعو إلى سلام حقيقي لا مكان فيه للمزايدات. فالمعركة اليوم ليست فقط معركة سلاح، بل معركة وعي. فبدون ثورة فكرية لن يكون هناك وطن قابل للحياة. وغني عن القول أن طرفي الحرب قد ارتكبا انتهاكات مفزعة، تشمل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وجميعها لا تسقط بالتقادم ولا هروب من تحمل تبعاتها، فلنؤسس للعدالة الجنائية والعدالة الانتقالية، وعدم الإفلات من العقاب. ونبني سودانا جديدا خاليا من عقابيل الماضي، يرتكز دستوره على شعارات ثورة ديسمبر المجيدة، الحرية والسلام والعدالة ويؤسس للمواطنة المتساوية دون تمييز.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!