
سمية النور دهب
في زمنٍ تتكاثر فيه الضوضاء السياسية وتتراجع فيه قيمة الفكرة أمام صخب الشعارات، جاء الحوار الذي أجراه القيادي البارز بحركة العدل والمساواة والمتحدث الرسمي باسم تحالف السودان التأسيسي أحمد تقد لسان على منصة “إكس” ليشكل حدثاً سياسياً وفكرياً استثنائياً، ليس فقط لأنه قدم رؤية متماسكة لمشروع تحالف السودان التأسيسي، وإنما لأنه نجح في إعادة تعريف الأزمة السودانية نفسها، وإعادة صياغة الأسئلة الكبرى المتعلقة بالدولة والسلطة والهوية ومستقبل البلاد.
كان الحوار مختلفاً منذ لحظاته الأولى. فقد بدا واضحاً أن المحاور لم يأتِ إلى الجلسة باعتباره وسيطاً محايداً بين الفكرة والجمهور، وإنما حمل معه موقفاً سياسياً مسبقاً ورؤية مغايرة لمشروع “تأسيس”. ولعل المتابعين للحوار لاحظوا أن كثيراً من الأسئلة لم تُطرح بهدف الاستيضاح أو الفهم، بل جاءت محملة بأحكام مسبقة وافتراضات جاهزة، وكأن الهدف هو وضع الضيف في زاوية الدفاع المستمر.
غير أن ما حدث كان على النقيض تماماً.
فبدلاً من أن يتحول الحوار إلى ساحة سجال أو مواجهة انفعالية، استطاع أحمد تقد لسان أن يحوله إلى منصة شرح وتنوير وتفكيك للمفاهيم الخاطئة التي ظلت تلاحق مشروع السودان التأسيسي منذ الإعلان عنه.
لقد ظهر الرجل هادئاً بصورة لافتة. لم يستفزه الانحياز الظاهر في بعض الأسئلة، ولم ينجر إلى لغة الاتهام أو الردود العاطفية، بل واجه كل سؤال بالمعرفة، وكل تشكيك بالحجة، وكل محاولة للاختزال بالتفصيل والتفسير.
وهنا تكمن أهمية هذا الحوار.
فالرجل لم يكن يدافع عن تحالف سياسي عابر أو ترتيبات مرحلية مؤقتة، وإنما كان يقدم مشروعاً فكرياً متكاملاً يهدف إلى معالجة جذور الأزمة السودانية التي ظلت تتكرر بأشكال مختلفة منذ الاستقلال وحتى اليوم.
للمرة الأولى ربما يسمع كثير من السودانيين شرحاً مفصلاً ومنظماً لمشروع “تأسيس” بعيداً عن الدعاية المضادة والاتهامات الجاهزة التي حاول خصومه إلصاقها به.
أوضح تقد لسان أن تحالف السودان التأسيسي ليس تحالفاً سياسياً تقليدياً نشأ كرد فعل على حدث عابر أو ظرف مؤقت، وإنما هو نتاج قراءة عميقة لتاريخ السودان السياسي والاجتماعي، ومحاولة جادة للإجابة عن السؤال الذي فشلت النخب السودانية في الإجابة عنه لعقود طويلة: كيف يمكن بناء دولة تستوعب جميع السودانيين؟
ومن خلال إجاباته المتعددة، بدا واضحاً أن المشروع يقوم على أسس موضوعية ومنهجية وفكرية غير مسبوقة في تاريخ التحالفات السياسية السودانية.
فهو لا يتعامل مع الحرب باعتبارها المشكلة الوحيدة، ولا ينظر إلى تغيير الحكومات بوصفه الحل النهائي، وإنما يتجه مباشرة نحو الجذور العميقة للأزمة، حيث مركزية السلطة، واحتكار الدولة بواسطة نخب محدودة، وغياب العدالة في توزيع السلطة والثروة، وفشل النموذج السياسي القديم في إدارة التنوع السوداني.
هذه النقطة بالتحديد كانت من أكثر النقاط التي أضاءها الحوار بوضوح.
لقد نجح أحمد تقد لسان في نقل النقاش من مستوى الأشخاص إلى مستوى الأفكار، ومن معارك اللحظة الراهنة إلى الأسئلة التاريخية الكبرى التي صنعت الأزمة السودانية.
ولذلك بدا الحوار وكأنه درس سياسي مفتوح أكثر من كونه مقابلة إعلامية عابرة.
ولعل أكثر ما أثار إعجاب المتابعين هو قدرة الرجل على الجمع بين العمق الفكري والبساطة في العرض. فقد قدم مفاهيم معقدة تتعلق بالدستور والشرعية والعقد الاجتماعي والدولة الفدرالية والعدالة الانتقالية بلغة واضحة ومفهومة، دون الوقوع في التعقيد الأكاديمي أو الخطاب النخبوي المغلق.
كما أظهر معرفة دقيقة بخبايا السياسة السودانية وتاريخها الحديث، الأمر الذي منحه قدرة كبيرة على تفنيد الانتقادات والرد على التساؤلات الصعبة.
ولم يكن التفوق في الحوار ناتجاً فقط عن امتلاك المعلومات، وإنما عن امتلاك الرؤية.
فالفرق كبير بين من يجيب عن الأسئلة، ومن يعيد صياغة الأسئلة نفسها.
وهذا ما فعله أحمد تقد لسان طوال الحوار.
فكلما حاولت بعض الأسئلة جرّه إلى مربعات ضيقة، أعاد النقاش إلى القضايا الجوهرية المتعلقة بمستقبل السودان وشكل الدولة الجديدة التي يتطلع إليها السودانيون.
ومن هنا جاءت قوة الحوار وتأثيره.
لقد خرج كثير من المتابعين بانطباع واضح مفاده أن مشروع السودان التأسيسي يمتلك أرضية نظرية ومفاهيمية أكثر تماسكاً مما كان يعتقده كثيرون، وأن القائمين عليه لا يتحركون وفق حسابات سياسية قصيرة المدى، بل وفق رؤية تسعى إلى إعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس جديدة.
لقد كان ذلك الحوار أكثر من مجرد ظهور إعلامي ناجح.
كان لحظة سياسية وفكرية مهمة أعادت ترتيب كثير من المفاهيم، وفتحت الباب أمام نقاش جاد حول مستقبل السودان.
أما أحمد تقد لسان، فقد خرج من تلك المنصة كما دخل إليها: هادئاً، واثقاً، رصيناً، لكنه خرج أيضاً وقد نجح في تقديم واحد من أكثر الشروحات وضوحاً وإقناعاً لمشروع السودان التأسيسي، مؤكداً أن قوة الفكرة تظل دائماً أقوى من ضجيج الخصومة، وأن المعرفة العميقة قادرة على هزيمة الانحياز مهما بدا صاخباً أو متعجلاً.




