
سمية النور دهب
الأزمة السودانية اليوم ليست مجرد صراع على السلطة أو نزاع عسكري عابر، بل هي متاهة مركبة من تاريخ طويل من المظالم، والفشل في إدارة التنوع الجغرافي والاجتماعي، وتداخل المصالح الإقليمية والدولية. كل محاولات الحل الجزئية أو السطحية تصطدم بجذور الأزمة العميقة، فتُعيد إنتاج الصراع بدل أن تُنهيه.
السياسة في السودان أكثر تعقيدًا من ثنائية الجيش وقوى أخرى؛ فهناك أحزاب متعددة، حركات مسلحة سابقة وحالية، شباب متفاعلون، ومكونات قبلية ومجتمعية مختلفة. أي اتفاق لا يشرك كل هذه الأطراف سيظل ناقصًا، ولن يمنح السلام شرعية حقيقية لدى جميع الفئات، خصوصًا أولئك الذين عانوا على الأرض من النزاعات المتكررة.
من الناحية الجغرافية، السودان ليس دولة واحدة متجانسة، بل مجموعة من الأقاليم التي تحمل تاريخًا من النزاعات والوعود المفقودة. دارفور، كردفان، النيل الأزرق، الشرق، الوسط والشمال؛ كل منطقة تحمل مخزونها الخاص من الألم والظلم. أي تسوية تُفرض من مركز واحد دون مراعاة خصوصيات هذه المناطق ستبقى هشّة ولن تعكس واقع حياة الناس أو تمنحهم الأمان والتنمية والتمثيل السياسي.
المجتمع السوداني فسيفساء من القبائل والمجموعات العرقية، وقضايا الأرض، ومسارات الرعي، والموارد الطبيعية تمثل جذورًا مباشرة للصراع. السلام الحقيقي لا يبنى فقط على الاتفاقات السياسية، بل عبر إصلاح العلاقات على الأرض، وآليات مصالحة عادلة، ومحاسبة من ارتكبوا جرائم، لتُعيد الثقة وتقطع الطريق أمام إعادة إنتاج النزاع.
الخارج لا يقل تعقيدًا، فالسودان يقع في شبكة مصالح إقليمية ودولية متشابكة، من البحر الأحمر إلى الموارد الطبيعية، ومن التنافس على النفوذ الإقليمي إلى التداخل الدولي. هذا الوضع يجعل أي وساطة معرضة لتضارب المصالح، بينما يبقى المواطن السوداني رهينة لتوازنات لا تراعي احتياجاته الإنسانية.
إن نهاية الحرب في السودان ممكنة، لكنها تتطلب رؤية وطنية جديدة، شاملة، وعميقة، تتجاوز الحلول الجزئية أو المؤقتة، وتعيد بناء الثقة بين كل الأطراف، وتوازن بين الداخل والخارج، لتضمن السلام الحقيقي المستدام، وليس مجرد استراحة قبل جولة جديدة من الصراع.




