رأي

الأدلة الكيميائية تفضح الجيش الخاضع لجماعات الهوس الديني

نجم الدين دريسة

 

 نجم الدين دريسة

لم يعد السودان يعيش حربًا تقليدية يمكن مقارنتها بما عرفه العالم من صراعات، بل بات مسرحًا لانتهاكات غير مسبوقة تُنسب إلى قيادة عسكرية مختطفة بواسطة جماعات الهوس الديني التي استولت على القرار الأمني وحوّلت الجيش إلى أداة للقمع الجماعي والإبادة البطيئة. وما كان يُنظر إليه سابقًا كاتهامات عابرة أصبح اليوم—وفق ما تكشفه شهادات الضحايا وتقارير التحقيق والتحاليل المخبرية—وقائع تشير إلى وجود استخدام ممنهج لأسلحة كيميائية وبيولوجية محرّمة دوليًا خلال الفترة بين 2024 و2025.

تشير المعطيات الواردة في التقرير إلى تكرار استخدام غازات قاتلة مثل السارين والخردل والكلور والفوسجين، إضافة إلى إطلاق مواد بيولوجية في مناطق مأهولة بالسكان. هذه الأدلة المكوّنة من عينات تربة ومياه، وصور أقمار اصطناعية، ومقاطع مصوَّرة من ساحات العمليات تتقاطع مع استنتاجات جهات حقوقية وطبية مستقلة، ما يضع الجيش الخاضع لسيطرة جماعات الهوس الديني في قلب دائرة الاتهام.

ورغم محاولات الإنكار المتواصلة، إلا أن التسلسل الزمني للوقائع منذ مطلع 2024 يُظهر أن ما حدث لم يكن حادثًا طارئًا، بل سياسة عسكرية متعمدة هدفت إلى إخضاع السكان في دارفور والخرطوم والجزيرة ومناطق أخرى خارجة عن سيطرة القيادة المتطرفة التي تتحكم فعليًا في الجيش. فقد وثّقت مقاطع فيديو جنودًا يرتدون أقنعة واقية أثناء إطلاق قذائف مشبعة بالغازات السامة، تلتها مباشرة مشاهد لمدنيين يسقطون بالاختناق والحروق الكيميائية. وفي مناطق أخرى، رُصدت بقايا حاويات بيولوجية انفجرت فوق أحياء سكنية فقيرة، ما تسبب في موجات من التسمم والأوبئة مثل الكوليرا والتيفوئيد.

النتائج على الأرض كانت كارثية. وصف أطباء محليون الهجمات بأنها “إبادة بطيئة محكمة”: حالات اختناق جماعي، تشوهات الأجنة، الإجهاض المتكرر، حروق الجلد العميقة، انهيار وظائف الرئة، الولادات الميتة، وانتشار السرطانات. التحاليل المستقلة التي أُجريت لعينات تربة ومياه من المناطق المستهدفة أظهرت تراكيز مرتفعة من السارين والفوسجين، ما يعزز الرواية التي تربط هذه العمليات بالقيادة العسكرية الخاضعة لجماعات الهوس الديني.

ولم تتوقف الأزمة عند البشر؛ فقد امتد التلوث الكيميائي إلى الأراضي الزراعية التي تحوّلت إلى مساحات غير صالحة للزراعة بسبب التأثيرات الطويلة الأمد للمواد السامة. ذكر مزارعون من الجزيرة ودارفور أن ماشيتهم نفقت بسرعة بعد شرب مياه الآبار الملوثة، فيما اضطر سكان عدة مناطق مثل الكومة وأجزاء من الخرطوم إلى مغادرة منازلهم بسبب بقاء الغازات والمواد الكيميائية عالقة في الهواء والتربة لأيام.

إن وقوع هذه الجرائم لم يكن ليحدث لولا وجود قيادة عسكرية منفلتة من كل رقابة، اختطفتها جماعات الهوس الديني، وفرضت عليها رؤيتها الإقصائية المتطرفة. فالتشدد الذي اخترق المؤسسة العسكرية لا يكتفي بفرض أجندته على القرار السياسي والأمني، بل ذهب إلى حدّ شرعنة استخدام أسلحة محرمة دوليًا بزعم “حسم الصراع”، متجاهلًا آلاف المدنيين الذين يُقتلون بلا تمييز.

هذه الأدلة دفعت الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات واسعة في مايو 2025، استهدفت قادة بارزين داخل المنظومة العسكرية المختطفة. وجاءت العقوبات بعد أن توفرت—بحسب التصريحات الأميركية—معلومات وصفت بأنها “ذات موثوقية عالية” تشير إلى وجود أوامر مباشرة باستخدام الأسلحة الكيميائية والبيولوجية. كما عقدت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية جلسة طارئة لبحث الأدلة الواردة من السودان، وسط تحذيرات من تكرار استخدام هذه الأسلحة.

ومع أن العقوبات خطوة ضرورية، إلا أنها غير كافية أمام حجم الانتهاكات. فالمطلوب اليوم تحرك دولي عاجل يشمل:

فتح تحقيق مستقل وشفاف،

فرض رقابة أممية على المنشآت المشتبه بامتلاكها قدرات كيميائية،

إرسال فرق إغاثية وطبية متخصصة للمناطق الأكثر تضررًا،

وضمان محاسبة كل من ثبت تورطه في هذه الجرائم.

إن السودان يقف أمام لحظة فارقة. فالمعلومات المتاحة اليوم لا تتحدث عن تجاوزات عرضية بل عن انهيار كامل لمنظومة الأخلاق والقانون داخل جيشٍ بات خاضعًا لجماعات الهوس الديني. هذه الحقائق يجب ألا تُطمس أو تُحجب خلف لغة دبلوماسية باهتة. فالأدلة المتوفرة تُشير بوضوح إلى الجهة التي تتحمل المسؤولية، ولا توجد منطقة رمادية في هذه القضية.

فالفاعل—وفق ما تشير إليه الأدلة والشهادات—معروف، وهو الجيش الذي تحوّل إلى الذراع العسكري لجماعة الإخوان المسلمين، والمسؤول الأول عن الهجمات الكيميائية التي شهدتها البلاد في عامَي 2024 و2025. وإن تجاهل هذه الحقيقة لن يجلب إلا مزيدًا من الضحايا، ومزيدًا من الانهيار، ومزيدًا من التلوث الأخلاقي قبل التلوث البيئي.

إن واجب الإنسانية والعدالة يقتضي عدم الصمت، وعدم السماح لمرتكبي هذه الجرائم بالإفلات من العقاب، والعمل الجاد من أجل دولة لا يكون فيها الجيش أداة قتل بيد جماعة متطرفة، بل مؤسسة وطنية تحمي شعبها بدلًا من استخدام الأسلحة المحرمة ضده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!